«الويل لإسرائيل من الجنوب»..
من كان يصدق قبل بضعة أسابيع فقط، أن يرى مثل هذا التحذير في صحف إسرائيل، وعلى لسان كبار السياسيين والخبراء الاستراتيجيين وهم يتحدثون عن مصر بعد ثورة 25 يناير؟!
لأكثر من ثلاثين عاما، ومنذ كامب ديفيد واتفاق السادات مع إسرائيل، والأوضاع على الحدود مع مصر هي الأهدأ، وحالة الاسترخاء التي تشعر بها إسرائيل وهي تنظر نحو الجنوب مستمرة.. حتى وهي تشن حروبها على لبنان أو غزة، وحتى حين تتأثر العلاقات ويغادر السفراء في القاهرة وتل أبيب مواقعهم وحتى والشارع المصري يرفض تغيير موقفه المعادي لإسرائيل، وحتى مع لحظات استثنائية يستشهد فيها جندي مصري برصاص العدو، أو ينتقم شهيد مثل سليمان خاطر لدماء مصرية وعربية.
ومع ذلك يبقى الهدوء هو سيد الموقف على حدود كانت ذات يوم تمثل الخطر الأكبر على وجود إسرائيل. الآن.. ومع ما وصفه نتنياهو بـ«الزلزال» السياسي الذي يجتاح العالم العربي، تصحو إسرائيل على وضع مغاير، ومع أنها استنجدت بأميركا وأوروبا لممارسة الضغوط على مصر الثورة لتجدد القيادة الجديدة التزامها بالاتفاقيات المعقودة مع إسرائيل (وهو ما حدث) فإنها تعرف أن انقلابا حقيقيا قد حدث.
وأن مصر بعد 25 يناير لن تكون كما كانت على مدى ثلاثين عاما سابقة، وأن النظام الأمني الإقليمي الذي رعته أميركا منذ كامب ديفيد لن يكون قادرا على الصمود بعد اليوم، وأن الجيش المصري الذي طالما اشتكت إسرائيل من عقيدته العسكرية التي ظلت قائمة على أن إسرائيل هي العدو والخطر الأساسي، سيكون أكثر تحررا من قيود فرضها النظام السابق.
وسيكون أشد رغبة في التخلص من أي التزامات تنتقص من السيادة أو تحد من الحركة، وحتى إذا لم تكن الظروف مواتية للتحرر «الفوري» من الاتفاقية التي أخرجت مصر من الصراع العربي ـ الإسرائيلي.. فإن ذلك قد لا يتأخر كثيرا!!
تصحو إسرائيل الآن على وضع مغاير ويتبادل زعماؤها وخبراؤها العسكريون الاتهامات حول مسؤولية «المفاجأة» وخطأ عدم الاستعداد.. فحتى اللحظات الأخيرة كانت إسرائيل تبني سياستها على أن كل شيء سيظل هادئا في الميدان الجنوبي.
وأن السلطة ستنتقل من مبارك إلى عمر سليمان ليسلمها بعد فترة انتقالية قصيرة إلى الابن جمال الذي سيكون أكثر التزاما بالتحالف مع إسرائيل، وأشد عرفانا لها ولأميركا التي باركت وصوله حينئذ للرئاسة. ووفقا لهذا اليقين تم إهمال أي مطالبات من بعض القيادات العسكرية بإعداد الجبهة الجنوبية لأي احتمالات أخرى.
وكان ذلك يوفر لإسرائيل أموالا طائلة ولكنه يتركها الآن أمام المفاجأة التي جعلت وزير الدفاع باراك يطلب على الفور من أميركا توفير مساعدات عسكرية إضافية بقيمة 20 مليار دولار تضاف للمساعدات المقررة وقدرها ثلاثون مليارا في السنوات العشر القادمة لمواجهة هذا التحدي الذي يقلب كل خطط إسرائيل وإستراتيجيتها. فقد فقدت إسرائيل نظاما كان يمنحها الهدوء على أطول وأهم جبهاتها.
وكان يقف معها في صف واحد ضد الاتجاهات الراديكالية في المنطقة، وكان يعطيها فرصة الحركة كما تشاء على حدودها الأخرى، وكان قد أضعف دور مصر وأخرجها من الصراع فأضعف العرب وأخرجهم من معادلة القوى في المنطقة.
ورغم صعوبات الموقف وتعقيداته، فإن إسرائيل تدرك أن النظام الجديد في مصر لن يكون الصديق الذي كان، وأنه أيا كانت القوى التي ستتولى الحكم في المرحلة القادمة فإنها لا يمكن أن تكون إلا تعبيرا عن شعب رفض كل محاولات التطبيع، وجيش مازالت عقيدته الأساسية هي أن إسرائيل هي العدو! وتطمئن القيادة الإسرائيلية نفسها بأنها تملك الوقت الكافي للاستعداد، خاصة ان مصر لن تخرج من فترة اضطرابات ما بعد الثورة إلا بعد فترة، وأن الحكم الجديد سيواجه تحديات داخلية هائلة لابد أن يركز عليها، كما أن أمامه تحديات خارجية خطيرة مثل ملف مياه النيل.
وحتى إذا تغيرت السياسات فإن انتقال جيش مصر من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم سوف يستغرق سنتين على الأقل، وهناك 300 كيلومتر من الصحراء العزلاء في سيناء بحكم المعاهدة وشروطها الجائرة، كما أن اعتماد مصر على السلاح الأميركي يعطي واشنطن القدرة على ممارسة الضغوط سواء بقطع المساعدات أو بقطع توريد المعدات وقطع الغيار. ورغم ذلك كله، فلعلها المرة الأولى التي يصدق فيها نتانياهو الذي لم يتحدث في حياته إلا كذبا، حين يصف ما يحدث في مصر بأنه «زلزال»، على إسرائيل أن تواجه تبعاته وتدرك خطورته.
ورغم أن البعض يقف أمام ظاهرة غياب الشعارات القومية عن تظاهرات مصر والعديد من الدول العربية، ويعتبر ذلك دليلا على انكفاء هذه الدول على الشأن الداخلي، لكن إسرائيل تدرك جيدا معنى وحدة الشارع العربي ومعنى انتصار الإرادة الشعبية في كل قطر عربي، ومعنى التحرر من روابط خارجية أضرت بالأمن العربي.
ومن أثمان كانت الأنظمة تدفعها للتستر على فساد واستبداد، أو لتمرير توريث الحكم أو تغطية شرعية مفقودة. والأهم أن إسرائيل ترقب ما يحدث في مصر وهي تذكر ماذا حدث بعد ثورة يوليو 52، وكيف أعلنت الثورة في بدايتها أنها ستركز جهودها على الشأن الداخلي، وكيف كانت هناك عوامل أخرى تطمئن إسرائيل في ذلك الوقت حيث مصر تحت الاحتلال، وحيث القاعدة البريطانية هي الأكبر في العالم (ثمانون ألف جندي) وحيث قناة السويس في أيد أجنبية، وحيث الجيش المصري بلا سلاح حقيقي.
ومع ذلك، فما إن استقرت الثورة في السلطة حتى قلبت كل الموازين القوى في المنطقة، وكسرت الحصار المفروض على تسليح جيشها، واستردت القناة وطردت جيش الاحتلال، وقادت بزعامة جمال عبد الناصر حركة الشعب العربي من المحيط إلى الخليج نحو التحرر والاستقلال والوحدة. إسرائيل لا تغمض عيونها عن هذه الحقائق. ولعلنا ـ في مصر والعالم العربي ـ لا نغمض العيون عنها، وندرك أن معركة طويلة وقاسية قد بدأت مع ثورة مصر والعرب، التي يعرف العدو جيدا أنها قد تبدأ بالخبز والحرية، ولكنها حتما ستنتهي بـ«الويل لإسرائيل من الجنوب».. وهو ما ستحاول إسرائيل وحلفاؤها منعه بكل شراسة وبكل الأسلحة!!