كثيرة هي التحديات الداخلية التي تواجهها ثورة مصر. فالتركة ثقيلة بين فساد لا يصدقه العقل، وبين انهيار أمني تعمده النظام السابق ويحاكم من أجله الآن وزير الداخلية السابق الذي سحب كل رجال الشرطة من الشارع في لحظة فارقة من الصراع وأطلق المجرمين من السجون وترك البلاد لأيام طويلة ومريرة تحت رحمة البلطجية وقطاع الطرق.
ثم هذا الموقف الذي تختلط فيه مطالب الثورة في الحرية والديمقراطية والعدالة بمطالب فئوية تجتاح كل مؤسسات الدولة ومواقع الإنتاج بعضها يعبر عن مظالم حقيقية لابد من التعامل معها ولو ببرنامج على مراحل يرتبط بدوران عجلة الإنتاج واسترداد أموال الدولة المنهوبة، وبعضها الآخر يبدو أن أصابع التآمر تعمل لإشعالها من أجل تعطيل مسار الثورة ومن أجل إبعاد شبح المحاسبة الذي يؤرق كثيراً من رموز الفساد التي لم تفقد الأمل في استعادة نفوذها. التحديات الداخلية كثيرة.
وهي لن تحسم إلا بحسم التناقض الأساسي في الموقف بين ثورة انتصرت في الشارع وتم الاعتراف الرسمي بشرعيتها، ولكنها لم تمسك بعد بمقاليد السلطة، وبين نظام سابق تم الإعلان الرسمي عن سقوطه بينما مازال يسيطر علي أجهزة الدولة واقتصادها وإعلامها، ويحاول الترويج لمقولة إن الأمر انتهى بسقوط رأس النظام وبعض رموزه، حسم هذا التناقض هو مفتاح الموقف، والثورة تسير في طريق حسمه لمصلحتها، والمهم أن يتم ذلك بسرعة وبالحرص كل الحرص على عدم ترك أي فرصة لمحاولات الوقيعة بين الشعب والجيش الذي حمى الثورة وانحاز لها منذ البداية والذي يتحمل عبء العبور بالدولة من الفترة الانتقالية في ظروف بالغة الصعوبة.
هذه الظروف الصعبة لم تعد قصراً على الداخل، فما يجري حول مصر الآن شديد الخطورة ولابد من الالتفات إليه والتعامل معه بكل بجدية لأنه يعكس بعض ما سيكون علينا مواجهته (مصرياً وعربيا) في المرحلة القادمة من تحديات، ولأنه قد يعطي صورة لتصورات القوى الإقليمية والعالمية لمستقبل الأحداث في المنطقة والمسار الذي ترى أنه يحفظ مصالحها ومدى مراعاته لمصالحنا أو توافقه معها!
مع اندلاع الثورة وعودة مصر لموقعها العربي، انطلقت الآمال في إنهاء سنوات التراجع العربية التي بدأت مع إجهاض نتائج حرب أكتوبر وزرع بذور الانقسام العربي واستغلال غياب مصر لكي تتحول المنطقة العربية إلى ساحة صراع بين قوى إقليمية ودولية لاكتساب مواقع نفوذ.
ورغم الترحيب الكبير ــ الذي جاء بعد تردد ــ من جانب أميركا والدول الغربية بالثورة وانجازها الرائع، وتأثيراتها المرتقبة في المنطقة، فقد كان هناك الحرص على ربط ذلك بالتأكيد الأميركي والأوروبي علي ضرورة استمرار التزام مصر باتفاقاتها مع إسرائيل. ولم يكن الأمر هنا يتعلق بتصريحات رسمية تؤكد على ذلك، بل بخلق الظروف التي تجعل الخروج من نفق كامب ديفيد أمراً مستحيلاً.
والتي تضمن أن القوى القادمة للحكم ستلتزم تماماً بالمسار القديم. أمر آخر كان في وعي هذه القوى الخارجية (وفي مقدمتها أميركا) وهي تبحث في تأمين مصالحها، ثم وهي تراقب مسار رياح الثورة في أنحاء العالم العربي بعد الشرارة التي انطلقت في تونس وأينعت في مصر. كان هناك ترحيب (بدرجات تختلف باختلاف العواصم العربية والمصالح الأجنبية) بأي خطوات نحو الديمقراطية. ولكن كان هناك حرص مبالغ فيه على التأكيد على محلية المطالب الشعبية واختفاء الشعارات القومية، والتهليل لذلك باعتباره دليلاً على نضج الشعوب العربية.
وتجاهل المسار المشترك لهذه الشعوب طلباً للحرية والعدل وهو مسار يؤكد أن «العروبة» التي احتفلوا بدفنها قبل سنوات مازالت هي الأبقى وستظل العنوان الوحيد لهذه الأمة وهي تبحث عن مستقبلها رغم كل التحديات! على هذه الخلفية ينبغي النظر إلى تطورين هامين بالنسبة لمصر الثورة، أولهما هذا الذي يتعلق بأخطر ملف يمكن تفجيره في هذا الوقت بالذات، وهو ملف مياه النيل.
حيث تمت ممارسة الضغوط الهائلة على دولة بوروندي لكي توقع على اتفاقية الإطار التي أعدتها دول حوض النيل والتي تستهدف حرمان مصر والسودان من حقهما التاريخي في الحصة التي يحصلان عليها من مياه النيل.وقد خضعت بوروندي في النهاية للضغوط التي مارستها أساساً أثيوبيا (!!) ومطلوب منا إلا نسأل لم إذا الآن ؟
وأين دور الذين ملأوا الدنيا بالحديث عن ضرورة مساعدة مصر بعد الثورة ؟ وأي خيوط امتدت في هذا القرار بين العاصمة الأثيوبية وبين واشنطون من ناحية وتل أبيب من ناحية أخرى ؟ أما الحدث الثاني فهو اندلاع ثورة الشعب الليبي وتعرضه للقتل والإبادة من جانب نظام حكم مازال يتشبث بالسلطة. وهو نظام كان يتمتع في السنوات الأخيرة بتدليل الغرب (لأسباب تتعلق بالديمقراطية وليس بالبترول بالتأكيد) .
وظل يتمتع في الأيام الأولى للثورة ليس فقط بالدعم السياسي بل بالدعم اللوجستي من جانب العديد من الدول الأوروبية. والآن نجد أنفسنا أمام أسطول سادس يقترب من السواحل الليبية مع أحاديث عن تدخل عسكري محتمل، وفي نفس الوقت تبشرنا وزيرة الخارجية الأميركية بأننا في مواجهة أزمة ستطول .
وربما تنتهي بصومال جديد، أي أن الخيارات أمامنا هي: صومال جديد أو عراق آخر، وهي تريد الوقت لتحقيق ذلك، ولضمان أن يكون النظام الجديد في ليبيا (وربما النظامان أو الثلاثة إذا تم التقسيم) لاعباً في فريقها، وأن يكون الفصل تاماً بين ثورة ليبيا والثورة في مصر، وأن تنكفئ كل منهما على الداخل ومشاكله التي زادت بالنسبة لمصر بفتح ملف النيل وبمليون مصري عائد من جحيم القذافي وتحريضه عليهم.
والتحرك العربي لابد أن يكون سريعاً وحاسماً لنصرة الشعب الليبي وحمايته من إرهاب السلطة المتهاوية ومن مخاطر التدخل الأجنبي، وأيضاً لمساندة الثورة في مصر لإكمال مسيرتها انطلاقاً من إدراك واضح بأبعاد الصراع الدائر بين أمة عربية تدرك قيمة استعادة مصر لوجهها الحقيقي لتنهي ثلاثين عاماً من الغياب الكارثي عليها وعلى العرب، وبين من يحاولون حصار الثورة بالمشاكل.