العدل أساس الحكم «هي نظرية الأمن والأمان للشعوب والحكام، وفقا للآية الكريمة ؟الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن؟.
ونظرية الأمن للإنسان والأوطان واحدة وثابتة في المنهج الإلهي، وفي كل الشرائع والرسائل السماوية، أساسها سيادة الحق والعدل ومقاومة البغي والظلم.. وهي النظرية التي تجلت صحتها وديمومتها في كل الأحداث الثورية التاريخية الأخيرة، وفعلت فعلها أمام أعيننا في مشاهد كثيرة ومثيرة بقوتها الإلهية، رغم كل المضادات الأرضية والسواتر الأمنية البشرية.
وفي كل ما يجري الآن على امتداد الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، من أزمات واحتجاجات وفتن وانقسامات ومظاهرات.. فلا بديل عن الحوار الوطني بين كل القوى والتيارات السياسية، وبين الحكومات والشعوب، وصولا إلى تحقيق مطالب الشعب في الإصلاح أو التغيير بالوفاق الوطني السلمي، بدلا من الاحتراب الأهلي المسلح الذي قد يفتح الباب واسعا للتدخل العسكري الأجنبي.
ولو أن الحوار الوطني كان شأنا حقيقيا بين التيارات السياسية وبين النظم والشعوب أصلا، وصولا إلى تحقيق ما هو مطلوب من إصلاحات دورية سياسية واقتصادية واجتماعية جزئية أو جذرية، احتراما لإرادة الشعوب بالوفاق السياسي السلمي، لما وقع في العالم العربي ما شهدناه من انتحارات وتظاهرات وانقسامات وثورات.
فلا تتفجر الثورات إلا نتيجة الشعور بالظلم مع انسداد القنوات الطبيعية للحوار والتشريع لحل المشكلات والأزمات، ومع السيطرة الحكومية على التشكيلات البرلمانية بالحظر والإقصاء والتزوير للتيارات المعارضة، وإلا نتيجة لنهج الاستئثار بالسلطة والثروة لصالح حزب على حساب شعب، أو لطبقة على حساب طبقة، أو لأقلية على حساب أغلبية.
وفي كل ما جرى من متغيرات في النظم العربية، سواء بتطورات إصلاحية جزئية قام بها العديد من النظم التقليدية كإجراءات وقائية من الاضطرابات، أو من تغييرات ثورية جذرية في طليعتها ثورة الشعب العربي في تونس والشعب العربي في مصر التي أسقطت بعض النظم الاستبدادية والاستغلالية التي سعت لتثبيت الرئاسة الأبدية وتوريث الحكم بغير أهلية..
فإن المقدمات كان لا بد لها أن تقود إلى النتائج، والتراكمات الكمية للعديد من الأزمات الوطنية بما سبقها من فوران سياسي، واحتقان اقتصادي، وتوتر اجتماعي، وسجال ثقافي، كان لا بد لها أن تؤدي لتغيرات كيفية، ولم يكن هناك من سبيل لإيجاد الحلول لها بعد أن بلغ الظلم مداه، إلا بالحلول السياسية لا بالحلول البوليسية، من خلال الحوار السياسي أو توقع البديل الوحيد بالانفجار الشعبي.
ولو أن الحوار العربي الفكري والسياسي بين النخب العربية من كل التوجهات على المستوى الشعبي، وبين النظم العربية على المستوى الرسمي، لكان شأنا جديا وحقيقيا من خلال مؤسسة عربية فاعلة، انطلاقا من أن الأمن الوطني هو جزء من الأمن القومي، وأن المصلحة الوطنية هي جزء من المصلحة العربية، ولما تراكمت الأزمات العربية وتجمدت مشاريع التكامل العربي، ولما ضعف النظام العربي بما يفتح الباب للتدخلات الدولية.
ومع أن المفروض أن لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، إلا أن تاريخنا العربي يشير بأسف إلى أننا لدغنا من ذات الأفاعي السامة أكثر من مرة، سواء بالاقتتال أو بالاحتلال، بالتضليل الإعلامي وبالخداع السياسي وبالادعاءات الغربية الكاذبة، وآخرها وأكثرها إيلاما حصار واحتلال وتدمير العراق!..
لكن الأكثر إيلاما ومرارة، هو أن واقعنا العربي الحالي بكل قلق مما يتحرك فيه من انقسامات وطنية ومشروعات لحروب أهلية، يشير إلى أن سيناريو العراق الذي لم نتعلمه بعد، قابل للتكرار وفي أكثر من بلد عربي، بسفك الدم العربي بأيد عربية للسيطرة على النفط العربي، بما يعني أننا ما زلنا قابلين لأن نلدغ من أكثر من أفعى ومن أكثر من جحر، ما لم نستيقظ!
ولو أن النظم العربية أدركت بعمق أن الخطر كل الخطر على الأمن الوطني والعربي معا، هو الاستقواء بطرف غربي أوعبري لحصار أو لإضعاف خصم عربي آخر، بما يفتح الباب للتدخلات الغربية السياسية والعسكرية في الشؤون العربية، ويهدد بتدويل القضايا العربية وعودة الوصاية الدولية.. لأدركت بذات العمق ضرورة وحدة الهدف ووحدة الصف في مواجهة أعدائها المعروفين الذين يحتلون العراق وفلسطين.
ويسعون لزرع الفتن الوطنية وإشعال الحروب الأهلية لتقسيم الأمة والأوطان العربية، ويتأهبون حاليا لاحتلال المزيد وسفك الدم العربي للسيطرة على النفط العربي تحت غطاء خادع، ولأدركت أن لا أمن ولا مصلحة لبلد عربي في القطيعة أو والمواجهة مع بلد عربي آخر، وأن الحوار الأخوي على أساس من المصارحة وصولا إلى المصالحة، هو الحل الأكثر أمنا لكل الخلافات..
وحينما تشتد الخلافات بين أطراف الأمة الواحدة العربية والإسلامية، أو بين القوى السياسية في الوطن الواحد، أو نصبح أمام أحد بديلين إما الحوار أو الانفجار، فلا خيار أفضل ولا أعقل أمام المختلفين سوى الحوار وصولا إلى التفاهم، لأن البديل الآخر هو الانفجار الذي يصيب الجميع، الرافضين للحوار قبل الداعين إليه.
ولأن الجميع مهما اختلفوا في المبادئ والمصالح والأهداف، مصلحتهم أكيدة في التفاهم بدلا من التصادم، وفى التعاون المشترك لتحقيق الأهداف المشتركة، خاصة في الوطن العربي الواحد الصغير والكبير، فالحوار السياسي هو البديل الوحيد المعقول والمقبول عن المواجهة أو الاقتتال، وصولا إلى الأرض المشتركة للوقوف عليها معا، تحت مظلة الوحدة الوطنية بالشراكة لا بالاستئثار.
ولأن رفض الحوار الوطني أو إفشاله، يمنع تحقيق الوحدة الوطنية، وهو ما يحقق الأجندة الاستعمارية لضرب أي مقاومة وطنية عربية أو إسلامية ضد الاحتلال الصهيوأميركي، ومحاولة إبعاد الدور العربي للوساطة أو المصالحة في الأزمات الوطنية المفتوحة في اليمن أو في ليبيا، لفتح أبواب الحوار للخروج من المأزق الراهن الذي تجد جميع الأطراف نفسها فيه، والذي يهدد بتعميق الانقسام والانكشاف الوطني والعربي، وهو هدف عبري وأميركي وغربي.
وهنا، وبدلا من الصمت والمشاهدة أو صب الزيت على نيران الفتن الوطنية بالإثارة الإعلامية، يكون المطلوب الآن من كل العقلاء إسدال الستار فوراً على هذا المشهد الخطير والمثير، لسد الأبواب أمام التدخلات الاستعمارية في شؤوننا الوطنية والعربية..
فالحل الوحيد الآمن لن يكون إلا بالحوار، وحل مشاكل الحوار بالمزيد من الحوار.. هذا هو الطريق الصحيح، والبديل هو القبول بالانتحار أو الانفجار أو الاستعمار!