أخيراً تحركت الجامعة العربية من رقادها الذي كان أشبه برقاد الميت الذي ينتظر شهادة الوفاة. لم يكن بؤس أحوال الجامعة العربية هو أسوأ الأمور التي واجهناها في السنوات الأخيرة، بل كان فشل كل محاولات إصلاح هذه الأوضاع بسبب الحقيقية البسيطة التي تنطلق من أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن الجامعة ليست إلا مجموع إرادات الدول الأعضاء التي يخضع معظمها لنظم تخاصم الإصلاح الحقيقي ولا تعترف بحق شعوبها في العدل والحرية والوحدة.

في العقد الماضي وبعد كارثة الغزو الأميركي للعراق وتدمير هذه الدولة العربية الأساسية، ومع انطلاق الترويج الأميركي بأنهم سيأتون بالديمقراطية للعالم العربي على ظهر الدبابات الأميركية وفقاً للكتالوجات التي صممها المحافظون الجدد واليمين الأميركي المتشدد المتحالف مع اللوبي الصهيوني، شهدنا طوفانا من مبادرات الإصلاح العربي، كان بعضها رغبة حقيقية في الإصلاح جسدها المثقفون العرب في وثائق هامة ترسم الطريق لنهضة حقيقية تقوم على الحرية والعدل والكرامة الإنسانية.

وكان بعضها الآخر يجسد محاولات للالتفاف على الإصلاح الحقيقي المطلوب بخطوات تجميلية أو إصلاحات جزئية، بينما كان بعضها الثالث يرفض أي حديث عن الإصلاح بدعوى أنه مجرد مؤامرة أجنبية تتعارض مع ثقافتنا العربية أو بدعوى أن الإصلاح يهدد الاستقرار أو بتكرار الاسطوانة المشروخة من كثرة الاستعمال والتي تؤكد أن «كل شيء جميل». في هذا المناخ كان هناك على المستوى الرسمي وثيقة الإصلاح العربي التي تبناها القادة العرب .

والتي وعدت بخطوات ملموسة على طريق إطلاق الحريات وضمان حقوق الإنسان، كما كان هناك إقرار لبرنامج إصلاح الجامعة العربية وتفعيل دورها ومحاولة تحويلها إلى رافعة للإصلاح في الوطن العربي، والالتزام بخطوات ملموسة لتفعيل العمل العربي المشترك وبناء المؤسسات الضرورية لتحقيق هذا الهدف. وقد كنا ــ من البداية ــ ضمن من نبهوا إلى المحاذير التي تعترض تطبيق هذه الوعود وتحويل الوثائق الرسمية إلى إصلاح حقيقي. وقد كان أهم ما نبهنا إليه في هذه المجال أمرين:

كان هناك أولاً التأكيد على ضرورة توافر الإرادة السياسية للأنظمة العربية في تحقيق الإصلاح وعدم الالتفاف حول مطالب الشعوب بهذا الشان، والوعي الحقيقي بأن رفض الضغوط الأميركية بهذا الشأن لا يعني رفض الإصلاح، بل يعني أن الشعوب العربية تريد الإصلاح وفقا لأجندتها هي، وتلبية لمطالبها لا لمطالب الآخرين.

وبالطريقة التي تحقق المصلحة الوطنية وليس بالطريقة التي تفرضها أميركا أو غيرها تحقيقاً لمصالحها فقط حتى لو أدت إلى تدمير أوطان أو تقسيمها أو إغراقها في حروب الطوائف كما فعلت في العراق الشقيق. وكان هناك أيضا التأكيد على أن أي حديث عن إصلاح مؤسسة الجامعة لا يمكن أن يتم بعيداً عن الإصلاح في الدول الأعضاء.

وأن الإصلاح الحقيقي لمؤسسة الجامعة لن يتحقق إلا بالتزام الدول الأعضاء بضمان حقوق مواطنيها في العدل والحرية والكرامة الإنسانية، وبوضع النظم الكفيلة بأن تكون حكومات الدول الأعضاء هي الممثل الحقيقي للإرادة الحرة لمواطنيها، وبالتالي حرمان أي نظام عربي لا يمثل إرادة مواطنيه من عضوية الجامعة، ومعاقبة كل نظام ينتهك حقوق مواطنيه التي تكفلها المواثيق العربية والدولية..

وقد كنا ندرك بالطبع أن تحقيق ذلك يحتاج لوقت وجهد كبيرين، ولكن كان الأساس أن يكون هناك التزام ببرنامج عمل، وبتوقيتات لتنفيذ هذا البرنامج، وبمساعدات للدول الأَعضاء على تجاوز هذه المرحلة بنجاح. وبدلاً من ذلك، حدث ما خشيناه من البداية.

غابت الإرادة الحقيقية في الإصلاح وخاصة مع تراجع التركيز الخارجي(الأميركي أساساً) على هذه القضية، ومع توهم البعض أن العلاج بالمسكنات قد أسكت الدعوات الإصلاحية، ومع تصور البعض أن تشديد القبضة الأمنية والتلويح بحظر التطرف والإرهاب سوف يفرض القبول بالأمر الواقع مهما كانت مرارته.

ومع توقف قطار الإصلاح في محطته الأولى، كانت الجامعة العربية تطوي هي الأخرى برامجها الإصلاحية، وتقف عاجزة في مواجهة الأحداث، وكان مبناها في قلب القاهرة يتحول إلى ما يشبه النصب التذكاري للفشل العربي في تحقيق آمال الملايين في طول الوطن العربي وعرضه في وحدة عربية تضمن التقدم والنهضة وتحقق العدل والحرية والكرامة.

والآن، ومع انفجار الشارع العربي بكل أشواقه للعدل والحرية، ومع انتصار الثورة في تونس ومصر، ومع شلال الدم الذي يسيل من شعبنا العربي في ليبيا وهو يواجه وحشية نظام همجي يقاوم السقوط الذي لا مفر منه، يلتقي ممثلو الدول العربية في مبنى الجامعة العربية المطل على ميدان التحرير الذي خضبته دماء شهداء ثورة مصر، ويدرك الجميع أن توابع الزلزال العربي لن تتوقف، وأن ما قاومته أنظمة معادية للحرية لسنوات طويلة، تفرضه الشعوب الآن. ويصدر القرار بوقف مشاركة النظام الليبي في نشاطات الجامعة التي يتصادف أن يرأس دورتها الحالية القذافي نفسه.

وليس هذا - بالطبع ؟ هو غاية المطلوب في مواجهة نظام يستبيح دماء شعبه، ولكنه بداية يمكن البناء عليها حتى يتم إرغام النظام الليبي وغيره من الأنظمة المستبدة على الخضوع لإرادة الشعب. وهي أيضا بداية يمكن الانطلاق منها نحو النظام العربي الذي يليق بهذه الأمة التي يتعلم العالم كله منها الآن دروساً في الثورة من أجل الحرية والكرامة.

هذا النظام العربي الجديد لن تكون فيه دولة تحكم بالحديد والنار، أو لا يتمتع شعبها بالعدل والحرية. إنها الخطوة الأولى نحو جامعة عربية لدول تسودها الديمقراطية ولا تقبل حاكماً مطلوباً للعدالة ولا نظاماً ينتهك حقوق الإنسان العربي. إنها الخطوة الأولى نحو نظام عربي تكون فيه الجامعة هي التجسيد الحي لإرادة ثلث مليار عربي يتمتعون بالحرية ويسيرون في طريق الوحدة والتقدم ويبنون المستقبل الذي يستحقونه، والذي دفعوا ثمنه غالياً.. ومازالوا يدفعون.