ربما لم تُمنَ مجتمعاتنا العربية بآفة مثل آفة الكلمات الفضفاضة المضخمة الواسعة، التي تسرح بيننا وتمرح كما يقال، دون أن يكون لها رصيد واقعي تستند إليه، إلا المزيد من التلاعب بالألقاب وصياغة الوقائع التي تخدمها، ولو كانت لا تحمل أي نسب اجتماعي يصلها بهؤلاء الأشخاص، لا من قريب ولا من بعيد. وتطرق أسماعنا بين الحين والآخر مناصب اجتماعية تملأ الأذان وتغشي الأعين، من قبيل سفير النوايا الحسنة أو سفير الطفولة وغيرها، ويكون أبطالها غالباً نجوما من الممثلين والمطربين، وكأن النوايا الحسنة في ضمير المجتمع وتربية أطفالنا، لا يستطيع القيام بحملها إلا الفنانون، مع فائق احترامنا لدور الفن والفنانين في سد ثغرة اجتماعية مهمة، ونقل رسالة حضارية نقدرها ويعرف المجتمع حجمها وأثرها.
أما أن يغدو الفن والتاريخ الفني للنجوم شهادة التزكية لصناعة سفراء النوايا الحسنة في الأمة، فهذا محل نظر، لا سيما إذا تذكرنا أن في المجتمع نجوماً آخرين في غير الوسط الفني، من تربويين وعلماء ومربين وقياديين ورواد اجتماعيين ورجال أعمال ناجحين وإعلاميين متميزين، يصلح الكثير منهم لأن يكونوا حملة شعار النوايا الحسنة وقدوات للطفولة في المجتمع. ولا شك لدينا أن خدمة المجتمع ورعايته وتقديم النافع المميز له، هي شهادة التقدير التي يرجوها العاملون الساهرون على نهضة مجتمعاتهم، بغض النظر عن تقديم أسمائهم بالسفراء أو غيرها من العبارات التي تبقى في نظر المجتمع ألقاباً قد لا تستحق الحبر الذي كتبت به، ما دامت قاصرة على الامتيازات الشخصية والشهرة الاجتماعية، كما أن المجتمع قد سئم مسرحيات «البروباغندا» أو الدعاية الإعلامية التي يكون أبطالها نجوم الفن، يستعرضون فيها أمام الكاميرات والإعلام فقط جهودهم الخيرة والإنسانية في مساعدة ضحايا المجتمع هنا وهناك، لا سيما أن بعضهم كان قد وضع في خطته الوصول لهذا اللقب، من خلال زيارات متوالية لمراكز ذوي الاحتياجات الخاصة والأيتام ودور العجزة، لإظهار الجانب الإنساني فيهم واستجداء محبة الناس!
ونعلم كما هو معروف من مواثيق الأمم المتحدة، أن لقب سفير الأمم المتحدة للنوايا الحسنة في أصله تكليف قبل أن يكون تشريفاً، وذلك أن أصل الفكرة نبعت من حاجة هذه المؤسسات العالمية لمن ينقل رسالتها الحضارية الاجتماعية للناس، ويكون لديه حضور بينهم. وكان اختيار الفنانين لما يحملونه من إرث إعلامي، كفيلا باختصار الكثير من الخطوات لإيصال الفكرة أو الحاجة المراد إيصالها إلى مختلف شرائح المجتمع، لدعم القضايا التي تعالجها الأمم المتحدة، سواء كانت اجتماعية أو إنسانية أو اقتصادية أو متعلقة بالصحة والغذاء. وقريب من هذه المعضلة «اللقبية»، إن جاز التعبير، التلاعب بمبادئ السلام العالمي، ووسم شخصيات يشهد لها تاريخها الحاضر في ذاكرة الجميع برصيدها الخاسر اجتماعياً وإنسانياً، بأنها جديرة بلقب جائزة نوبل للسلام، وكأن هذا اللقب سينبت أزهاراً في أطلال الدمار الإنساني التي خلفها حامل هذا اللقب، والأمثلة ربما تكون معروفة للجميع.
وإذا عدنا إلى أزمة المؤسسات في اختيار سفرائها، نجد أن المسألة في كثير من الأحيان نوع من تبادل المصالح والمنافع بين الطرفين؛ المانح للقب والحامل له، فالمؤسسة التي تختار فناناً معروفاً لتنعم عليه بلقب خاص بها، تكسب بضم اسمه إليها زيادة رصيدها الاجتماعي، ويطرب الفنان لمثل هذا اللقب لأنه يختم سيرته الفنية بلقب سفير، وتضيع خدمة المجتمع بين هذا الفخر وذاك الطرب!
ولا يجادل العقلاء في أن قيمة أي مؤسسة إنسانية اجتماعية، أممية أو قطرية، صغيرة كانت أو كبيرة، تكمن في ما تُسابق إلى تقديمه للمجتمع، وليس في قائمة الأسماء التي تنسدل في أرشيفها، كما لا يرتاب المجتمع في أن الفنان صاحب الرسالة الاجتماعية النبيلة، لا ينتظر الألقاب ليخدم المجتمع، بل ينظر إلى الأمر بأنه سباق مع الزمن، لا استراق من حظوظ الزمن.
وإذا حدث وحمل أحد رموز المجتمع لقباً كهذا، فإن عليه التزامات اجتماعية واسعة، لا أن يكتفي بالمراسم والاستقبالات والتوديعات، أو تقديم مشاهد وأغنيات إنسانية لا تسمن ولا تغني من جوع. ولا نتجاهل دور بعض النجوم العالميين الذين تم اختيارهم سفراء للنوايا الحسنة، فقد جاء هذا الاختيار تتويجاً لما كانوا يقومون به على أرض الواقع، من دور إنساني نابع من رغبتهم الحقيقية في خدمة المجتمع، بتسخير إمكانياتهم المادية والاجتماعية. وتبقى القضية محل جدل طويل، ما دام الحَكم الحقيقي، وهو المجتمع، مغيباً عن اتخاذ القرار فيها، فجمهور الناس الواعين لقضاياهم، هم الأجدر والأقدر على اختيار سفرائهم للطفولة والنوايا الحسنة، وهم الذين يقررون من يستحق حمامة السلام على رأسه، لأنهم الأعلم بما يحتاجونه، والأحرص على تلافي عثرات الإملاءات الجوفاء، التي تفرض على الناس رموزاً لا يجيدون إلا فن تلميع أنفسهم على أكتاف المجتمع.