استحوذت قضايا الأحداث الجانحين أو المعرضين للانحراف، على حيز من الاهتمام على كل الأصعدة، في محاولة لتسليط الضوء على قضاياهم التي تشغل بال الكثير من الأسر في مجتمعنا.. وكما هو معلوم، فإن الأسرة هي الوحدة البنائية في المجتمع.. هي نواته التي يتشكل منها.. حيث تتولى الأسرة وظائف عديدة، لعل من أهمها تنشئة الأبناء وتربيتهم ورعايتهم، منذ نعومة أظافرهم حتى يشبوا عن الطوق بدخولهم مراحل التعليم المختلفة.. فيدخل المجتمع ليشارك الأسرة في العملية التربوية، إدراكاً للدور المهم الذي تسهم به الأسرة في تماسك المجتمع.. لهذا نجد أن دستور دولة الإمارات نص في المادة (15) والمادة (16)، على أهمية الأسرة في المجتمع الذي عليه أن يرعاها ويحافظ على تماسكها.. ذلك أن تماسك الأسرة يعد الركيزة الأساسية لتماسك المجتمع.
إن حرص الدولة على تماسك الأسرة وضرورة حماية أفرادها، يعد مطلباً ضرورياً مهماً، خصوصاً في عصر العولمة الفضائيات المفتوحة، واعتماد كل الأسر المواطنة تحديداً، على الخدم والمربيات الأجنبيات في تربية الأبناء، مما فتح الباب على مصراعيه لدخول أنماط عديدة من الثقافات الوافدة على حياتنا.. وقد تناول العديد من الكتاب والباحثين التحديات والمشكلات التي وقعت بالفعل، وتسببت في الكثير من الممارسات التي وصلت إلى التحرش والأذى الجسيم وحتى القتل.. وإذا كان البعض قد تحامل على الخادمات والمربيات الأجنبيات، فمن باب أولى أن نلوم الآباء والأمهات الذين انصرفوا عن تربية أبنائهم لقضايا هامشية، وتركوهم عرضة للمخاطر والضياع.
لقد تابعت عن كثب التقارير الإحصائية والجنائية، التي تصدرها الجهات الشرطية والأمنية في الدولة، فتبين أن أعداداً كبيرة من أبنائنا وبناتنا، تعرضوا لمشكلات ساقتهم إلى مراكز رعاية الأحداث، بسبب انحرافهم عن القيم والضوابط الاجتماعية.. وأن المؤشرات الإحصائية تدل على أن أعداد الأحداث المنحرفين، رغم تذبذبها إلا أنها في ارتفاع، مع أن أعداداً أخرى لم تشملهم الإحصاءات الجنائية، لأن مشكلاتهم تم التستر عليها فلم تصل إلى دوائر الشرطة. إن تورط الأحداث في هذه الأنواع من الجرائم، مؤشر يدل أولاً وقبل كل شيء، على تراجع دور الأسرة في القيام بأهم وظيفة لها، وهي تنشئة أبنائها ورعايتهم في إطار منظومة قيم مجتمع الإمارات.. كمجتمع محافظ على موروث ديني ثقافي، يستلهم الإسلام ديناً والعروبة ثقافة.. وإذا كان البعض يلقي باللائمة على الأبناء لعدم انصياعهم للأعراف والتقاليد المجتمعية، فإن الاتهام كان ينبغي أن يوجه للوالدين، لأن كثيراً منهم، بل أكثرهم، انصرفوا تماماً عن متابعة ما يجري داخل المنازل التي صار عدد الغرباء الذين يعيشون فيها داخل نطاق الأسرة، ربما يفوق عدد أفراد الأسرة.. ممثلين في الخدم والمربيات والسائقين والطباخين ومن في حكمهم.. الذين يتولون إدارة شؤون المنزل، بل الحياة في مجتمع صار مواطنوه غرباء.
كم قرع الناس أجراس الخطر عندما تداولوا قضايا التركيبة السكانية، باعتبارها أكبر ظاهرة اجتماعية تهدد هوية مجتمعنا.. فعقدت لها الندوات وشكلت لها اللجان العديدة، ومازلنا نبحث عن مخرج!
أعود للقول إن هنالك مطالبات تحتم الانتباه إلى واقع الأسرة الإماراتية، لإيجاد حلول لمشكلات التفكك الأسري، وتشرذم بعض الأسر بسبب الطلاق والهجر والانفصال والتباعد بين أفراد الأسرة.. حتى أصبحت العلاقات الأسرية هشة.. والترابط ضعف إلى مستوى صار فيه أفراد الأسرة والأقارب، يتواصلون عبر الهاتف أو الرسائل النصية أو الالكترونية.. مع أن البعض يلقي باللوم على الانترنت والفيسبوك والشبكات باختلاف أنواعها وأشكالها.. إلا أن غياب دور الأسرة في المتابعة المباشرة، يعتبر المسؤول الأول والأخير عن تردي أوضاع الأبناء والبنات وضياعهم. وفي معرض البحث عن حلول لقضايا الأحداث، انشغل بعض الجهات بحلول لم ولن تحل المشكلة من جذورها.. لأن علماء الاجتماع المشتغلين بالدراسات النفسية على صواب، إذ تشير نتائج أبحاثهم ودراساتهم الميدانية المنشورة، إلى أن حل ظاهرة أو مشكلة اجتماعية، لا يمكن إلا إذا تمت معرفة العوامل المسببة لها.. وفي بحثنا عن ظاهرة انحراف الأحداث، تشير كل الدلائل إلى أن التفكك الأسري يعتبر أهم العوامل المسببة لمشكلات الأحداث.. من ثم فإن أي حلول بديلة تعتبر حلولاً إسعافية، قد تقلل من حجم الظاهرة، لكنها لن تؤدي إلى حلها. في تقديري، نحن في أمس الحاجة إلى إجراء بحوث علمية ميدانية معمقة، لدراسة أوضاع وقضايا الأسرة، قبل البحث في مشكلات الأحداث، لأن الثانية مرتبطة بالأولى.. في ذلك لا بد من تنسيق الجهود الرسمية مع دور الجمعيات ذات النفع العام، والمؤسسات التربوية والدينية.. نحن في أمس الحاجة إلى تكثيف الجهود بالتركيز على البعد الوقائي، والسبيل الأمثل هو التركيز على زيادة الوعي الترشيد، من أجل حماية أبنائنا وبناتنا من مخاطر الانحرافات السلوكية.. فالشباب الذين يمثلون قاعدة الهرم السكاني، هم بناة مجتمع الغد.. وإذا أردنا أن نعد أنفسنا لمستقبل واعد بالأمن والتنمية المستدامة، علينا أن نعطي الأولوية لقضايا الشباب، لأنهم يمثلون الحاضر وكل المستقبل.