تأتي الجولة التي قام بها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى الإمارات الشمالية الأسبوع الماضي ولقاؤه أفراد الشعب والوقوف على احتياجاتهم والتعرف عليها عن قرب في ظل أجواء سادتها مشاعر الأبوة والألفة أتت لتصب في منحى مبادرة تعزيز التلاحم الوطني، وهي المبادرة التي انطلقت من خطاب صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة (حفظه الله) في الثاني من ديسمبر عام ‬2009، والتي تهدف إلى ترسيخ مفهوم الترابط الأسري والتعاضد الاجتماعي بين مختلف شرائح وفئات مجتمع دولة الإمارات، ولتأخذ كذلك أولوية مهمة على رأس أجندة الدولة خاصة في تنفيذ سياساتها الداخلية خلال الفترات الراهنة والقادمة.

في الواقع جاءت هذه الزيارة كأول ترجمة واضحة على المستوى الرسمي لتعزيز مفهوم مبادرة التلاحم الوطني، وفي اعتقادنا اننا بأشد الحاجة إلى مثل هذه المبادرات على المستوى الاتحادي. إننا في دولة الإمارات في أمس الحاجة إلى التلاحم الوطني بين أفراد مجتمع الإمارات بحيث يصبح الهم واحدا لكل إمارات الدولة وتصبح المصلحة مشتركة ويأتي الاهتمام الحكومي بشكل متواز بين جميع إمارات الدولة.

إن مثل هذه الزيارات لها دور كبير في تعزيز مفهوم الدولة الاتحادية لاسيما بعد فترة شهدنا فيها بروز دور المحليات في مقابل الدور الاتحادي. إن التلاحم الذي نصبو إليه جميعا هو التلاحم الذي يعطي الاتحاد ومواطني الاتحاد أولوية في خطط الدولة وجهودها، فجميعنا أبناء زايد الخير الذي قدم كل ما لديه في سبيل ولادة الدولة الاتحادية رغم كل التحديات التي واجهتها في حينها، ونحن كذلك أبناء خليفة بن زايد الذي لم يتوان عن إعطاء الأولوية لتمكين الدولة الاتحادية ومواطنيها.

على الرغم من أن الدولة في الفترات الماضية خاصة في فترة الآباء المؤسسين لم تكن بحاجة إلى إصدار مثل هذه المبادرات لأن التلاحم الوطني كان صفة مؤصلة في القيادة السياسية وقد ترجم هذا إلى واقع من خلال حب الشعب والتفافه حول قيادته في كافة الظروف التي مر بها الاتحاد في سنواته الأولى، إلا أن الأوضاع في الفترة الراهنة تغيرت وانقلبت الموازيين لصالح التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها الدولة فأصبحت هناك متغيرات كثيرة أثرت على تفعيل مفهوم التلاحم الوطني. ولكن القيادة السياسية في الإمارات بفضل حنكتها تداركت أهمية التركيز على مفهوم التلاحم الوطني خاصة في ظل المتغيرات الكبيرة التي تشهدها الدولة في الوقت الراهن، وهو مفهوم متأصل في الثقافة والتاريخ الإماراتي سواء في تاريخه الحديث أو المعاصر.

عندما انطلقت مبادرة التلاحم الوطني كانت الآمال كبيرة بكبر حجم الأهداف التي وضعت من أجلها، والتي يأتي في مقدمتها هدف تحقيق التلاحم الاجتماعي بين أبناء إمارات الدولة كمقدمة لتحقيق التلاحم الوطني المنشود على كافة مستوياته، ورغم كل الإمكانيات التي وضعت من أجل تعزيز مفهوم المبادرة ورغم تجاوب جميع وزارات الدولة ومؤسساتها سواء كانت الحكومية أو الخاصة لتبني هذه المبادرة ووضعها قيد التنفيذ وذلك حسب ما ذهب إلى وصفه المسؤولون عن المبادرة، إلا أن المبادرات الفعلية لترجمة هذه الأهداف إلى واقع ملموس لازالت خجولة ولم تشهد ذلك الزخم المتوقع من إطلاق هذه المبادرة. فالمطلوب اليوم من جميع الجهات الرسمية وغير الرسمية أن تعطي هذه المبادرة أولوية ضمن برامجها وأن تعاملها قدر حجمها الكبير الذي وجدت من خلاله، فرؤية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة (حفظه الله) حول ضرورة الاهتمام بالتلاحم الوطني جاءت في محلها، وهي بحاجة إلى اهتمام أكبر من قبل جميع الجهات، بل إنه لا أبالغ إن قلت ان مثل هذه الدعوة بحاجة إلى أن يتم تضمينها من ضمن أولويات المجلس الأعلى للأمن الوطني ولا يتم الاكتفاء فقط بتشكيل لجان تشرف عليها إشرافا فنيا وخجولا.

إن أشد ما تحتاج إليه الإمارات اليوم هو تعزيز المكتسب الاتحادي، فهو صمام الأمان الذي من خلاله تستطيع الدولة مواجهة كافة التحديات التي يمكن أن تعتري طريق الدولة والتعامل مع كافة المتغيرات الإقليمية والدولية بكل ثقة واقتدار. ولعل أهم عناصر تقوية المكتسب الاتحادي هو الاستثمار الأمثل في تعزيز المبادرات التي يمكن أن تصب في نجاح مبادرة التلاحم الوطني ولعل من أهمها خاصة في هذا الوقت هو تعزيز قوة المؤسسات الاتحادية وإعادة بث روح القوة فيها كما كانت في السابق.

رغم اننا في دولة الإمارات نعيش في ظروف أكثر أماناً واستقراراً من غيرنا من الدول المحيطة بنا وذلك بفضل سياسة القيادة الحكيمة، إلا أن ذلك لا يعني أن نقف مكتفين بما تحقق من مكتسبات وطنية بل إن دورنا خاصة في هذه الفترة الحرجة تعزيز تلك المكتسبات بمبادرات من شأنها أن تكون عنصر أمانٍ واستقرار لهذا البلد، ولا أعظم من مبادرة التلاحم الوطني التي تضمن للمجتمع خلق نسيج اجتماعي متماسك تظهر أهميته أكثر ما تظهر في وقت الأزمات التي تعصف بالدول في أوقات مختلفة ولعل في بعض التجارب العربية خير دليل على ذلك.