مساء العاشر من فبراير ومئات الألوف تزحف إلى ميدان التحرير لتنضم إلى المعتصمين هناك في انتظار القرار الحاسم. كانت الأحداث قد تسارعت منذ الصباح بعد أن بدأت التظاهرات تخرج عن نطاق ميدان التحرير والميادين الرئيسية في المدن الكبرى لتهدد بالشلل التام لكل مرافق الدولة. عند الظهر لم يكن هناك مفر من القرار الذي يحسم الموقف. عندما اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان هذا إيذاناً بان الجيش قد اتخذ قراره. وعندما صدر «البيان رقم 1» عن المجلس بعد ظهر ذلك اليوم كان هذا إعلاناً بأن مرحلة قد طويت وبدأت مرحلة أخرى في تاريخ مصر. وما بين «البيان رقم 1» وإعلان تنحي الرئيس السابق لم يكن في الحقيقة إلا محاولات لتأجيل أو تعطيل قرار كان قد اتخذ بالفعل. وسيظل الكثير من أسرار هذه الساعات الحاسمة خافياً لفترة، ولكن من يعرف كواليس السياسة المصرية وكيفية اتخاذ القرار لابد أن يدرك أن «البيان رقم 1» كان موجهاً للرئيس السابق قبل غيره. فالمجلس العسكري الأعلى كان حريصاً على أن ينقل التليفزيون صورة اجتماعه الذي صدر عنه هذا البيان لكي يقول إن الصفحة قد طويت وبقيت فقط إجراءات التنفيذ. فالاجتماع تم في غياب الرئيس السابق ونائبه عمر سليمان. كما تم في حضور كل قيادات أفرع القوات المسلحة بمن فيهم قائد سلاح الطيران الوثيق الصلة بكل من الرئيس السابق ورئيس الوزراء أحمد شفيق. الأهم أن البيان لم يكن بياناً صحفياً عن الاجتماع، بل كان «البلاغ رقم 1» بما يعنيه ذلك عند المصريين جميعا من أن سلطة جديدة قد تولت الأمر وأمسكت بمقاليد الأمور. رفقة السلاح من ناحية، والحرص على وحدة القيادة العسكرية من ناحية أخرى، هي التي منعت هذه القيادة من أن تعلن القرار الحاسم بنفسها، وتترك الأمر للرئيس السابق حفاظاً على مكانة الرئاسة وعلى المظهر الذي يليق بواحد من قادة حرب أكتوبر.
في طريق العودة إلى المنزل بعد منتصف الليل في ظل ظروف حظر التجول ومخاطرها، كان ما يشغلني هو أن يكون الرفض لقرار قيادة القوات المسلحة بالتنحي مستنداً إلى قوة عسكرية مازالت تعارض الرحيل بما يعنيه ذلك من انقسام قد يهدد وحدة الجيش. وكنت أطمئن النفس بأنه لو كان هناك أي احتمال لذلك لما حسمت القيادة العسكرية الموقف بإصدارها«البيان رقم 1«. وقبل الوصول لمنزلي القريب جداً من مقر الرئاسة توقفت للتدقيق من قوة عسكرية تابعة للحرس الجمهوري. كانت الاستحكامات كبيرة، وكان التوتر باديا على الضابط الكبير الذي سمح لنا بالمرور بعد عناء، وقبل أن أدرك مدى تعقيد الموقف في المنطقة بعد وصول عدة آلاف من المتظاهرين إلى مشارف قصر الرئاسة، نجح الجيش في إقناع جزء كبير منهم بالانصراف وأقلتهم بالفعل السيارات العسكرية إلى ميدان التحرير بسبب حظر التجول المفروض، بينما بقي جزء آخر رأيته في الصباح وقد استعد ليوم طويل وأقام على أحد الأرصفة ما أسماه«مستشفى ميداني«وبينما كانت القوات العسكرية تحاول السيطرة على الموقع وتمنع أي تقدم للمتظاهرين، كان مناخ القلق يتزايد مما ستحمله الساعات القادمة في هذه اليوم الذي قد تم الحشد له باعتباره يوم الحسم، ومع المخاوف من تنفيذ التهديدات بان تتجه المسيرات السلمية إلى مقر الرئاسة بعد صلاة الجمعة.
ومع ظهر الجمعة كان مشهد النهاية يتكامل، قيادة الجيش كانت قد رفضت الانتظار أكثر من ذلك حتى لا تتدهور الأوضاع إلى الفوضى الشاملة. والرئيس السابق كان قد أدرك من ردود الفعل على بيانه أن الأمر قد انتهي، وفهم من«البيان رقم 2«الذي أصدرته قيادة الجيش بعد خطابه ما ينبغي فهمه، حيث تبنت القيادة «المطالب المشروعة» للشعب المصري. وفي لحظة فارقة من ظهر ذلك اليوم كان المشهد أمامي يتحول إلى لحظة من التاريخ لا تنسى بكل أجوائها الدرامية، الحشود الغاضبة تتزايد وتقترب من مقر الرئاسة من جبهتين ولكنها لا تشتبك مع قوات الجيش أو الحرس الذي يؤمن المنطقة. ومن الناحية الأخرى كنت أرقب من قريب طائرات الهليوكبتر التابعة للرئاسة وهي تبدأ مشوار الرحيل الأخير إلى مطار حربي قريب ومنه إلى شرم الشيخ على الطائرة الرئاسية.
قبل السادسة مساء بعشرين دقيقة تقريبا كانت آخر طائرة مروحية تعود لموقعها داخل أسوار مقر الرئاسة بعد أن نقلت آخر أفراد أسرة الرئيس. وفي نفس الوقت كان يتم الإعلان عن صدور بيان رئاسي صدر بالفعل في تمام السادسة وألقاه نائب الرئيس عمر سليمان الذي كان واحداً من كبار الخاسرين في هذه الأيام الصعبة. تنفجر القاهرة بمشاعر الملايين التي انطلقت إلى الشوارع تحتفل بانتصار الثورة. ولا يكتمل المشهد إلا في ميدان التحرير، من هنا انطلقت الشرارة وهنا سقط الشهداء، وإلى هنا يصب نهر البشر في لحظة هامة من لحظات التاريخ. المشهد لا يوصف إلا في كتب الأساطير. هذه ليست مصر التي كانت قبل ثمانية عشر يوماً فقط. البشر غير البشر، والمشاعر تختلف، والأرض والسماء والهواء الذي نتنفسه، مصر تستعيد نفسها، تتوضأ بدم الشهداء، وتفتح أبواب الحرية والعدل. مشاعر الحزن والكآبة تختفي مع فيضان الفرح النبيل. حالة الانكسار التي كانت تقتل الإنسان في اليوم ألف مرة لم يعد لها وجود. القامات ترتفع وهدير الملايين يغني لمصر ويهتف «ارفع رأسك فوق.. إنت مصري» مصر التي في خاطرنا تعود، فكيف نحافظ عليها؟ وكيف نجتاز معها الأوقات الصعبة التي نعرف أنها ستأتي ؟ وكيف نهزم محاولات الاختراق ومؤامرات الاحتواء لتبقي ثورة مصر كما هي شوقاً للعدل والحرية وانتصاراً لكرامة الإنسان في وطنه وكرامة الوطن في الدنيا ؟، المهم الآن أن تتحول مشاعر الفرح والاعتزاز بمصر التي سادت العالم العربي كله، إلى فعل يساعد على اجتياز الأوقات الصعبة ويصنع شبكة أمان عربية تحتضن مصر التي كان غيابها هو الكارثة العربية الأكبر والتي تكشف اليوم عن أجمل ما فيها: هذا الجيل الذي صنع المعجزة، واستعاد مصر لنفــــــسها، فاســـــــتعادها العرب بعد أن افتقدوها طويلاً وافتقـــــــدوا دورها الذي لا غنى عنه ولا بديل.