أصبح اقتران مصطلح تمكين المرأة الإماراتية وشيوعه في ثقافة المجتمع، يفرض حضوره المشرق في حسابات التفاعل الإيجابي الحضاري، مع مقومات النهضة المستدامة والعمل المجتمعي بشتى ضروراته وأطيافه، وغدت ثمار نجاح هذا المصطلح تقرع أسماع العالم، بفضل القيادة الحكيمة الراعية لنضوجه وارتقائه وبلوغه مرحلة الكمال، ثم بجهود المرأة الإماراتية التي بذلت من نفسها جهوداً كبيرة على كل الأصعدة، فضلاً عن الرغبة الجامحة في إثبات الحضور الاجتماعي والتفاعل البناء مع مقومات العطاء.

والحديث عن فلسفة التمكين كثقافة، أصبح من القديم المتجدد الذي لا ينبغي التواني عن تكراره، لتبقى جذوة الحضور الاجتماعي مشتعلة، ولا تفتر همم تقديم المرأة الإماراتية بانية للمجتمع حريصة على مقوماته وثماره. فلا نزال نتغنى ببلوغ المرأة مراحل متقدمة من إثبات الجدارة في أصعدة العمل السياسي والاقتصادي والتعليمي والعملي بأنواعه.. فالمجلس الوطني شاهد على شغل ‬22,5 في المئة من مقاعده لصالح المرأة، والتعليم العالي يخبرنا أن نسبة مشاركة المرأة فيه على مستوى الدولة من أعلى النسب عالميا، حيث تبلغ ‬95 في المئة للطالبات، بينما هي ‬80 في المئة للطلاب، كما شهدت الدولة تعيين أربع وزيرات في التشكيلة الحكومية الحالية، ودخلت المرأة الإماراتية السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية سفيرات وقناصل، في حين كانت في السلك القضائي حاضرة بدرجات وكلاء للنيابة العامة وقضاة، كما أثبتت حضورها بمشاركتها في عضوية العديد من مجالس إدارات غرف التجارة والصناعة.

والعامل الأساسي الذي يقف وراء هذا النجاح للمرأة الإماراتية، هو الدور الذي تقوم به سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيسة الاتحاد النسائي العام الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، منذ بدايات الاتحاد، حيث ترأست سموها عدداً من المؤسسات الوطنية المعنية بقضايا المرأة والأسرة، والتي تسهم بشكل فعال في النهوض بها في جميع المجالات.

ولذلك لا عجب أن تكون نسبة ‬59 في المئة من النساء في الإمارات يعملن، وفق التقرير الصادر عن خبراء استشاريين مستقلين، تليها الكويت بنسبة ‬42,49 في المئة، و‬36,4 في المئة من النساء يعملن في قطر، و‬34,3 في المئة في البحرين، وأن تحتل دولة الإمارات المرتبة ‬25 من أصل ‬109 بلدان في مقياس التمكين العام، لتكون الأولى خليجياً، ما دفع الهيئات الأممية للإشادة بما حازته المرأة من تقدم، في ظل رعاية قيادة رشيدة تعمل على إيجاد حلول الارتقاء بدور جميع المواطنين رجالاً ونساءً، من واقع المجتمع الإماراتي بما يتلاءم مع معتقداته وموروثه الثقافي الأصيل، وسعت الحكومة إلى ترجمة استراتيجية وطنية لتقدم المرأة الإماراتية، تهدف إلى تمكينها في كافة القطاعات الرئيسية في الدولة.

إلا أن الوقفة التي لا بد منها لنذكّر بها بنات الوطن، هي أن ما أنجز ليس نهاية المطاف، وأن ما بقي من واجبات أعظم مما تم تحقيقه على كل الأصعدة، فإذا رضيت المرأة بمقدمة أنها أساس مكين من أسس النهضة والحضارة، فلا بد أن تستجيب لمتطلبات نتيجة خلاصتها العمل بلا كلل، وتقديم ما يثبت حرصها على صيانة مكتسباتها الإنسانية.

فكل مناحي الحياة موارد للنهضة وروافد لها، إن أحسن جميع أفراد المجتمع تسييرها والتعاطي معها، فلا تستهين المرأة بأي دور تقوم به مهما كان نطاقه أو حدوده، ما يشكل رافداً للمجتمع الساعي للتطوير، فالأم في بيتها وبين أولادها على ثغر من ثغور العمل الحضاري، لا يقل أبداً عن السياسية في وزارتها أو سفارتها، والطالبة في مدرستها أو في جامعتها، لا تزيد شأناً عن العاملة المنتجة في أبسط المهن الحياتية. هذا الواقع المثالي للعطاء والبناء الذي يعم جميع الأفراد، يحتم النظر في جدوى وفحوى الرسائل الاجتماعية الموجهة للمجتمع، وكيف تسري بين أفراده لتخرج من الطاقات أنبلها وتصنع من الأعمال أجلّها وأرقاها. والإعلام مسؤول أكثر من غيره، بل قبل غيره، في ترسيخ هذه الثقافة بين الناس، فهو النافذة الأعم التي تطل على الجميع وتقترب من همومهم، ولا بد لنجاح هذه السياسة من صناعة مفهوم مشترك، تقدم من خلاله المرأة إعلامياً ودرامياً بالصورة التي تليق بها، والتي نرجو منها الترشح لها، وأن يتم طمس المظاهر الاجتماعية السلبية التي تظهر المرأة ضعيفة تابعة غير قادرة على إدارة شؤونها. النافذة الأخرى التي لا تقل أهمية عن الإعلام، هي المراحل التأسيسية الابتدائية، وأنها نواة بل محور الاستقرار الاجتماعي إن أحسنت صياغة مهامها الاجتماعية وراهنت على نجاحها وحضورها، كإنسان يحترمه المجتمع ويقدر حقوقه ويقدم له كافة أنواع الحماية والرعاية، ويحتاج إلى جهده حتى تكتمل المنظومة.

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»