الآن.. تتكاثر الاعتذارات التي يتم تقديمها لجيل عربي جديد خالف كل التوقعات، وأثبت أن هذه الأمة العربية قادرة على مقاومة كل عوامل الفناء، وقادرة على الصمود في وجه المحن، وقادرة على استيلاد الحياة في لحظات كانت تبدو وكأنها مهيأة لإقامة سرادقات العزاء!!

يعرف الشباب أن بين الاعتذارات ما لا يستحق الالتفات إليه لأنه جاء من الذين راهنوا على أن هذا الجيل هو جيل الضياع والهروب من المسؤولية والرضا بالإذلال على المستوى الشخصي أو الوطني، ولكنهم يعرفون أن معظم الاعتذارات تأتي من قلوب صادقة لأنها عانت وتعبت وناضلت ودفعت الثمن ولكنها لم تفقد إيمانها بأحلامها ولم تتخل عن رهانها على أجيال قادمة لاستكمال المسيرة، وربما كانت المفاجأة بالنسبة لها أن موعدها مع هذه الأجيال جاء مبكرا عما توقعته وأنه جاء في لحظة سادها التراجع العربي بصورة عامة وكاد ما تبقى من قدرة على الصمود أن يتلاشى.

من هنا فإن الفرحة لا توصف بهذا الجيل العربي القادم مع رياح التغيير والمبشر بالعدل والحرية وبالخروج من نفق التراجع والانكسار القومي. هذا الجيل الذي تحدى الظروف وأطلق الشرارة، والذي يرفض كل أنواع التدخل الأجنبي مهما كان مصدرها، والذي يتصرف بوعي وحكمة ضد كل محاولات الاختراق التي تحاول إبعاده عن الطريق الصحيح، والذي استطاع أن يعيد الحيوية للشارع العربي الذي كان البعض يظن أن السياسة قد ماتت فيه وأنه لا يتحرك إلا لمباراة كرة ولا يتجمع إلا في إطار الطائفة أو العشيرة، ولا تشغله إلا الفتاوى المتباينة حول عذاب القبر وقيادة السيارات ودخول الحمام بالقدم اليمنى أو اليسرى. في أيام قليلة يتغير وجه الشارع العربي، يصبح أكثر شبابا وأكثر حيوية، وأشد انتماء للمستقبل، بعد فترة طويلة كان كل ما في حياتنا يجرنا إلى الخلف ويحاول إعادتنا إلى جنات العصور الوسطى التي لم تكن إلا التخلف في أكمل صوره. ولا شك أن ذلك كله يبرر هذه الفرحة الطاغية بهذا الجيل الرائع من شبابنا العربي الذي حقق حتى الآن ما كان يبدو وحتى الأمس القريب.. أشبه بالمعجزة! لكن علينا هنا أن نذكر أن ما أطلق الشباب شرارته قد تحول إلى حركة عامة ينتظم فيها الجميع، وأن الفروق قد ذابت بين مختلف الأجيال، خاصة من جيل سبق ويستحق هو أيضا كل الاعتذار.. فقد عانى ودفع الثمن وكادت الأيام تسرقه دون أن يرى ثمارا لما قدمه في عصر عربي تميز بسرعة التحولات وعمقها.. من ثورة يوليو ‬1952 التي غيرت وجه مصر والعالم العربي تغييرا شاملا وقادت تيار العمل القومي الحقيقي، ودفعت بالشباب إلى مقدمة الصورة، ووحدت الأمة من المحيط إلى الخليج حول رؤية واحدة وقيادة واحدة وطريق واحد قاد الاستقلال العربي ونهاية الاستعمار واستعادة الثروات بدءا من قناة السويس إلى البترول، وبداية عصر جديد لنهضة عربية استطاعت الصمود أمام المؤامرات والعدوان وثأرت لهزيمتها في ‬67 بالانتصار في حرب أكتوبر العظيمة.

وبدلا من استعادة الزخم لمواصلة طريق النهضة العربية، جاءت الثورة المضادة لتبعد مصر عن طريقها العربي من خلال كامب ديفيد ومعاهدة الصلح مع العدو الإسرائيلي، ليتغير بعد ذلك المسار في الوطن العربي كله وتبدأ مرحلة من التراجع لم يستسلم أمامها جيل لابد أن نتذكره اليوم حتى ولو كان من بقي منه قد وصل إلى مرحلة أحس فيها بأنه انهزم. والحقيقة غير ذلك بلا شك.. لقد ظل هذا الجيل قابضا على الجمر في أصعب الظروف، رفض كل محاولات إرغامه على التطبيع ودفع الثمن، قاتل من أجل ألا يفقد الملايين في أرجاء الوطن العربي إيمانهم بعروبتهم، وصمد أمام مغامرات حمقاء من أنظمة عربية تم حسابها على التيار القومي، كما صمد أمام محاولات أعداء الأمة لاستغلال هذه الأخطاء في تدمير الهوية العربية وإقامة السدود بين الأقطار العربية. وفي الوقت الذي كانت الثورة المضادة تحكم قبضتها، كان هذا الجيل يواصل التمسك بما تبقى من مكتسبات ثورة يوليو سواء على المستوى القومي أو على المستوى الداخلي حيث كانت موازين العدالة الاجتماعية تختل، والسياسات الاقتصادية تعيد إنتاج ما كان قبل يوليو من تبعية ومن فساد داخلي. وفي نفس الوقت كان هذا الجيل يستدرك ما كان من فجوات نفذت منها قوى الثورة المضادة ويدعو لديمقراطية حقيقية تكون هي الأساس لقوى عمل قومي بعد ذلك. ورغم الهزائم وخيبات الأمل فقد استطاع هذا الجيل أن يبقى شعلة الأمل لتنفجر الآن الأشواق للحرية والعدل على يد شباب الأمة. نقطة أخرى ينبغي التنبه لها ونحن نراقب الأحداث الخطيرة في وطننا العربي وهي ضرورة الإدراك بأننا أمام معركة طويلة لا يمكن أن تحسم بين يوم وليلة، صحيح أن مسيرة التغيير والإصلاح قد بدأت ولن تتراجع، وصحيح أن ما تحقق كان كبيرا ومهما وحاسما، ولكن علينا أن نعد أنفسنا لطريق طويل ستكون فيه مقاومة، وسيكون فيه تآمر، وستكون فيه انتصارات وتراجعات ولكن لابد أن نؤمن بأن النتيجة محسومة، وأن ما راهن عليه أعداء الأمة لسنوات طويلة قد سقط.. وها هو الشارع العربي الذي توهموا أنه قد انكسر يثبت حيويته وقدرته على فرض إرادته. وها هي الأجيال الجديدة التي راهنوا على أنهم قد اخترقوها وأخضعوها لثقافة الاستسلام تثبت أنها الأجدر بالانتساب لأمتها والأقدر على تفجير أفضل ما فيها. وها هي الملايين في الوطن العربي التي حاولوا الوقيعة بينهم وراهنوا على إبعادهم عن مصر وإبعاد مصر عنهم يتطلعون إلى أرض الكنانة بكل الأمل أن تخرج مصر من الأحداث التي تمر بها وهي أكثر قوة وأكثر صلابة وأشد استقرارا فهي وحدها القادرة ـ كما فعلت في السابق ـ على أن تقود الأمة على طريق الوحدة والتقدم والاستقرار، وهي القادرة على وقف الخلل في موازين القوى الذي ترك الساحة العربية في السنوات الأخيرة ملعبا لكل طامع من القوى الخارجية والإقليمية، وهي القوى التي تحاول جاهدة أن تلاحق الأحداث وأن يكون لها دور فتفاجأ بأن الصورة الوحيدة التي ظهرت في تظاهرات الملايين غير صورة الشهداء كانت صورة جمال عبد الناصر، وكأنها اعتذار عن سنوات ضاع فيها الطريق!!