حظيت «أم الدنيا» مصر، وما زالت تحظى باهتمام العالم، حيث استقطبت وهج الإعلام العالمي، وأضحت تتصدر عناوين الأخبار والصحف الشهيرة في الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرها من الدول الكبرى، وأصبح الناس يتابعون أحداثها بمشاعر متناقضة بين الغضب والخوف، والفرح والترقب، فهي التي لها ثقلها السياسي والثقافي والتاريخي في العالم، وهي تمثل للعرب تحديداً الأم والشقيقة الكبرى. فهي الدولة العربية الأعلى في عدد السكان، وهي التي كانت تتفوق قوتها الناعمة على قوتها العسكرية بمراحل حضارية، فهي السينما والمسرح، ومحفوظ والعقاد وشوقي وأحمد زويل، هي أم كلثوم والعندليب وعبد الوهاب، هي سعاد حسني وعمر الشريف، هي الأهرامات والنيل، هي الثقافة والصحافة والجمال وخفة الدم، هي الحلم والحقيقة الجميلة.
فكيف لا نعيش معها الحدث لحظة بلحظة؟ كيف لا نتألم لكل قطرة دم أهدرت؟ كيف نقبل بأن يعيش المصري مهاناً، يختنق من الفقر والمرض والقهر على ثرواته التي ضاعت؟ كيف لا نغضب إذا شعرنا أن كل شيء فيها غلا ثمنه إلا الإنسان؟
ولكن يبقى السؤال؛ كيف يستطيع نظام أمني يتهاوى في أول مواجهة، أن يقف أمام ملايين المواطنين، بل أمام العالم بأسره؟ نظام شهدت فيه البلاد تدهورا وانحدارا على عدة مستويات وأصعدة، تحت ظله اتسعت دائرة الفقر والبطالة، واغتيال الحريات الفردية، وعلا صوت التسلط على صوت الحق والحوار، واتسعت الهوة بين الأغنياء والبسطاء، واختفت الطبقة المتوسطة، وتوطد فيه التطبيع السياسي، رغم رفض المواطنين العاديين له؟ كل تلك الظروف المعيشية الخانقة لم تكن سوى قنابل موقوتة، تدق ببطء قبل أن تنفجر في وجه السلطة. فكرة الإصلاحات لم يعرها النظام أي اهتمام، وشعر أنها مجرد ترف لا يستحقه الشعب، رغم أن حلفاءه الغربيين نصحوه ببدء المشروع الإصلاحي سريعا.
أجمل ما في هذه الثورة أو الانتفاضة التي حصلت، أنها جسد بدون رأس يحركها ويقودها لاتجاه سياسي معين، بل إن النبض الكامن في أعماقها هو الشباب، فحين تسلط كاميرات القنوات الفضائية عدساتها على الحدث، تجد شبابا نشيطا ومتحمسا، وحين يختار الميكرفون بعشوائية أحد الشباب حتى يتحدث عبره، تجده يرتدي ملابس عصرية ويحمل هاتفا متطورا يدلف عبره إلى عالم الفيس بوك وتويتر، يذكر أرقاماً ويسرد تاريخا، ويتحدث لغة قريبة من الجميع. فلم تشعل جذوة الثورة جماعة أو حزب معارض، رغم أن كل فريق سياسي يتمنى أن يخرج بحصاد سياسي دسم لحزبه. بل أطلقها الجوع والقهر والبطالة عبر منبر الكتروني نافذ هو الفيس بوك؛ الموقع الذي يعبر عن نمط العصر والمرحلة التي نعيشها، والتي تتسم بالانفتاح والتوسع حول العالم، عبر فضاء واسع وشاسع هو الإنترنت، العالم الذي لم تفهمه ولم تستوعبه الحكومات التي شاخت أو تعاملت بفوقية مع تلك اللغة الحديثة التي يتكلمها ويتقنها الشباب، لأنها تعيش في عالم آخر خلف المدار وقبل الشمس بأمتار قليلة، لذلك أذهلتها تلك «الثورة الفيسبوكية» كما أذهلت العالم أجمع، وأصبحت تعيش أسوأ كابوس في حياتها.
من الأشياء الرائعة في تلك الثورة هذا الوعي الذي يتحلى به كثير من الشباب المصري الذي خرج ليحمي وطنه الذي يحب، المسلمون يحمون الكنائس، والمسيحيون يحرسون المسلمين أثناء أدائهم الصلاة، شباب في ربيع العمر يقفون لحماية متحف مصر الذي يمثل تاريخهم وحضارتهم ومستقبلهم، لكن الذين خرجوا للتخريب والترهيب والنهب وإطلاق سراح المساجين لا يمثلون الشعب المصري بل إنهم بعض «البلطجية» كما يسميهم المصريون، وقد يكون «الأمن» هو الذي أطلق سراحهم وأمرهم بذلك، ليشوه وجه الثورة ويمنحها الطابع الهمجي.
أخيراً، ما يحدث في مصر ما هو إلا نتيجة تراكمات سنين طويلة من القمع والقهر، ثورة لا تحركها دول أو منظمات خارجية، بل يحركها الجوع وتردي قطاع التعليم والصحة والحياة. يقولون أطعموا شعوبكم قبل أن تأكلكم، ولكن يبدو أن الرغيف ليس كل شيء، بل الحوار والاحترام والتجدد ومواكبة العصر، أصبحت مطلبا ملحّا في ظل هذا الانفتاح الذي يشهده العالم.
كاتبة سعودية
