ربما يكون وقع كلمة «النفايات الإلكترونية» غريباً على البعض، فضلاً عن غرابة التهويل من خطرها وضررها على المجتمعات، ذلك أننا تعودنا اقتران كلمة النفايات بالنووية أو الطبية أو حتى المنزلية وغيرها، ولم يشغل بالنا أن أجهزتنا الإلكترونية على اختلافها قد تكون مخلفاتها بؤراً للمرض وتهديد الصحة. قبل عدة أيام تنادى الخبراء المشاركون في ندوة «إدارة وإعادة تدوير النفايات الصلبة»، التي أقيمت في دبي واستضافها مجمع الطاقة والبيئة «إنبارك»، العضو في المجمع العلمي التابع لتيكوم للاستثمارات، تنادوا لقرع ناقوس الخطر من ممارسات حياتية تبدو بسيطة، إلا أنها تحمل في طياتها ما يمكن تسميته بالكارثة البيئية إن استمر تجاهل الأضرار الناجمة عنها، وهذه الممارسات كان محورها ما تخلفه النفايات الالكترونية، حيث أشار العلماء المشاركون في الندوة إلى أن هذه النفايات تحمل في طيات أجسامها الصلبة، مجموعة من المواد السامة، لعل أبرزها كما ذكره التقرير الكادميوم والرصاص والزئبق وثنائي الفينيل متعدد البروم، وغيرها.

ولعل غموض هذا الخطر وعدم إدراك ضرره بشكل مباشر، هو ما دعا البعض إلى تسميته بالملوث الخفي، فليس في الحسبان أن ما نلقيه من تلفزيونات وحاسبات الكترونية وكاميرات وأجهزة هاتف نقال، تنثر في هوائنا وتربتنا مواد سامة من دون أن نشعر بها، يمكن أن تتدرج مخاطرها الصحية بين أذيات دماغية وكلوية وبعض أنواع السرطان، واضطرابات هضمية وتنفسية.

وما يقلق في الموضوع هو ما تحتله دولنا في منطقة الخليج من مركز عالمي متقدم في استهلاك السلع الإلكترونية، فسرعان ما تحل المنتجات الحديثة محل الإصدارات القديمة، التي لا تزال تعمل وبشكل سريع. وتعزز مثل هذه التوجهات بشكل مباشر التدفق المتزايد للنفايات الإلكترونية التي ينتهي بها المطاف في مكبات النفايات المحلية. وما يزيد المشكلة هو غياب البنية التحتية، التي تمكن من التعامل السليم مع النفايات الالكترونية، وتدني مستوى الوعي العام بما يتعلق بالمخاطر المتعددة لهذه الظاهرة، وهو ما أشار إليه الخبراء المتخصصون.

ما ينبغي الوقوف عنده ملياً بهذا الخصوص، هو دور المجتمع أفراداً ومؤسسات للحد من هذه المخاطر التي تزداد يوماً بعد يوم، لا سيما إذا علمنا أن كمية النفايات الالكترونية من المرجح أن تنمو بمعدل ثلاثة أضعاف معدل النفايات العامة الأخرى، ولا شك أن أول خطوة في هذا الصدد تنبع من الوعي المجتمعي بخطورة مثل هذه المخلفات، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال تكثيف حملات التوعية عبر أجهزة الإعلام المختلفة، والتركيز على نشر ثقافة حسن التخلص من الأجهزة الإلكترونية المتنوعة، بما يضمن قطع أحد مصادر انتشار مثل هذه المخلفات.

وعلى صعيد موازٍ أيضاً، لا بد من توجيه التركيز على مواكبة هذا البرنامج التثقيفي، بجملة من القوانين التي تضبط عملية استيراد الأجهزة الالكترونية، سواء المستعملة منها أو الجديدة، وقوانين أخرى تؤطر عملية التعامل مع هذه النفايات كونها خطرة، وفرض غرامات رادعة على التجار الذين يقومون باستيراد أنواع الأجهزة الرديئة ذات التأثير الأكثر ضرراً على البيئة، والعمل على توفير مراكز أو مصانع يتم من خلالها تقليص حجم هذه المخلفات الإلكترونية، من خلال الاستفادة منها بإعادة تدويرها. ولا ننكر الدور الناضج الذي تقوم به مؤسسات الدولة، في ترشيد وتطبيق ثقافة التخلص العلمي المسؤول من النفايات الإلكترونية بالشكل المناسب الذي يحد من أخطارها، إلا أن العقبة التي لا بد من تجاوزها تتمثل في إيصال هذه الثقافة إلى مستوى الأفراد، فهم طرف حساس ومهم في هذه القضية. ومما يدعم الوصول إلى النضج في التعاطي مع هذه الأمور، فتح أبواب الدراسات العلمية والبحوث المتخصصة التي تبحث في فن إدارة هذه المخلفات، مع تكثيف عقد الندوات والمؤتمرات وورش العمل التي تضع مسألة النفايات الإلكترونية موضع البحث والاهتمام، وتعميم نتائج هذه البحوث أو الندوات على جميع المؤسسات، ومن خلال وسائل الإعلام على أفراد المجتمع، لتكون حاضرة في التعامل الواعي معها.

ثم لا نغفل أهمية إدخال هذه الثقافة على المدارس، لا سيما في المراحل الأولى من حياتهم، حتى تصبح طريقة حياتهم حضارية في التعامل مع هذه المعدات التكنولوجية، وهم شباب المستقبل وجيل هذه التقنيات، والأكثر لصوقاً واهتماماً بها والعيش مع مفرداتها. هي إذاً، مهمة لا بد من تضافر شتى الجهود للتعامل معها، إذا أدركنا خطورتها التي تؤكدها الدراسات العلمية الحديثة، ولا يجدي معها التجاهل الآني، لأن الهواء أو التربة اللذين نلوثهما ليسا ملكنا وحدنا، بل هما أمانة في أعناقنا لأبنائنا، وليس أقل من أن نحافظ عليهما مما قد تخلفه أيدينا.

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»