ضرب الانهيار المالي عام ‬2008، جذوره في فقاعة الإسكان في كافة أنحاء الولايات المتحدة. ومنذ وقت ليس بالبعيد، تآمرت سياسات الأموال الرخيصة المتبعة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وضخ تريليونات الدولارات في صورة استثمارات أجنبية جديدة، والسياسات الخاطئة من جانب شركتي التأمين الأميركيتين «فريدي ماك» و«فاني ماي»، جميعها لإمداد الملايين من الأميركيين بالكثير من النقد السهل، للمنازل المتضخمة والتي لا يكادون يتحملون تكلفتها. واعتبر امتلاك منزل «حقاً»، بدلاً من اعتباره مكافآت للتضحية من جانب العائلات، وإرضاء متأخراً وانضباطاً في الميزانية.

تدخل الجميع من بنائين ومقرضين وسماسرة وبيروقراطيين، في مخطط «بونزي» للمال السهل، حتى رصدت قلة من الحقيقة التي يتجاهلها الجميع، وأن المنازل المبتذلة لم تكن بالكاد تساوي ما دفعه المشترون. وأعقبت ذلك حالة من الهوس المالي، عندما بدأ المقترضون المتذبذبون يتخلفون عن دفع أقساط الرهن العقاري الباهظة وينسحبون، فأصابت جهات الإقراض حالة من الذعر. وما أعقب ذلك هو ما يسجله التاريخ.

تظهر فقاعة تقاعد مماثلة كذلك. قد يكون هناك ما يصل إلى ‬6 تريليونات دولار في شكل تعهدات تقاعد مستحقة للأميركيين، منها خمسمائة مليار دولار في ولاية كاليفورنيا وحدها، ولا يمكن الوفاء بهذا التعهد في ظل الظروف الحالية.

على مدى السنوات الـ‬30 الماضية، كان الساسة الأميركيون يزايدون على بعضهم، لتقديم صفقات تقاعد أكثر سخاء لأعضاء النقابات وموظفي القطاع العام، وهم أكثر حرصاً على الحصول على أصواتهم منهم على ضمان دفع ما وعدوا به. واعتبرت مسألة تلقي حزمة تقاعد سخية حقاً، وليس استثماراً مبنياً على مدخرات سابقة مقروناً بفائدة وأرباح متواضعة.

ربما يكون هناك بالفعل عجز فوري بقيمة تريليون دولار، في ما يتعلق بالوفاء بما هو مستحق للمتقاعدين الحاليين. ويصبح أصحاب المعاشات عند مرحلة التلقي أكثر عدداً وأكبر سناً وأكثر ثراء، في حين أن العمال الأصغر سناً يصبحون في مرحلة السداد، أقل عدداً وأكثر فقراً.

ففي مرحلة ما، سوف تعلن مدينة أو ولاية، أو ربما نظام الضمان الاجتماعي في حد ذاته، أنه ليس هناك المزيد من المال. حينئذ، إذا لم تكن هناك أزمة مالية أخرى وانهيار وول ستريت، فسوف تنتهي الفانتازيا مع وجود عمال يدفعون اشتراكات أعلى، ويتقاعدون في وقت لاحق ويحصلون على مبلغ أقل.

هناك فقاعة التعليم العالي، في الوقت الذي اقتربت قيمة المديونيات الجماعية من تريليون دولار، دون وجود ضمان بأنه سوف يتم سدادها. والكثير من طلاب الجامعات الفقراء وآبائهم المعدمين، يعومون قروضاً طلابية ضخمة مدعومة من الحكومة، لسداد مصروفات الحصول على درجة البكالوريوس المكلفة أكثر من أي وقت مضى، والتي لم تعد تضمن أن هؤلاء الطلبة يتلقون تعليماً جيداً، أو أنهم سوف يعثرون على وظيفة بعد التخرج، أو إذا حصلوا على فرصة عمل سوف يتقاضون أجراً أفضل من المدربين مهنياً. وأصبحت مسألة الالتحاق بالكلية إلى حد ما، ينظر إليها على أنها حق وطني، وليس امتيازا مبنيا على الإنجاز الأكاديمي المتفوق، والتضحية المالية، والانضباط الأكاديمي المستمر.

إن هناك قواسم مشتركة مزعجة لهذه الفقاعات المتفاقمة، وهناك غيرها؛ مثل حق الرعاية الصحية الذي سنّ أخيراً في الطريق. فالأغنياء ومَن هم على صلة بهم، يبدو أنهم معفون من الحساب الوشيك، ويفترض الفقراء أن الحكومة سوف تمنحهم تخفيفاً لعبء الدين. أما هؤلاء الذين يعيشون في مستوى وسط بين ذلك، فسوف يضطرون لدفع المزيد من أجل الحصول على قيمة أقل.

إن أميركا لا توفر ثروة كافية لتبرير فكرة أن الجميع يجب أن يذهبوا إلى الجامعة، ويحصلوا على وظيفة أعلى أجرا من آبائهم، وشراء منزل جيد بسعر معقول، وأن يتقاعدوا مبكراً مع المزيد من المال، أكثر مما حصلت عليه الأجيال السابقة.

إننا نسينا ما هي الثروة، ومدى صعوبة توفير الحياة الكريمة. والثروات تتحقق نتيجة مجهودات العمال ذوي المهارات والمتعلمين، الذين يحولون الموارد الطبيعية مباشرة إلى سلع تجعل الحياة أكثر سهولة.

يتعين على القطاع غير المنتج في الحكومة، وهو القانوني والمصرفي، أن يعمل على تسهيل هذه العملية، مع أنظمة سياسية ومالية شفافة وتتسم بالكفاءة.

أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة ستانفورد الأميركية