إذا كانت ثقافة العصر السائد، هي ثقافة السماوات المفتوحة والحرية الإعلامية والمعلوماتية والديمقراطية، فإن سيادة هذه الثقافة في مجتمعات منطقتنا، لا بد أن تدفع الجميع إلى اعتماد الحرية والمسؤولية والشفافية.
ومن هنا يبدو صحيحاً إلى حد كبير، ما أكده «رودني آي سمولا» أستاذ القانون في كلية الحقوق في جامعة ريتشموند الأميركية، بقوله «إن القوة التي تفرض على الإعلام التكتم على الممارسات الحكومية، هي في الحقيقة قوة تدمير لمصداقيتها».
ولعلي أضيف هنا أن كثيراً من السياسات الخاطئة لبعض الحكومات، أو غير المعبرة عن رغبات شعوبها، إنما تنتج أيضاً عن غياب الحقائق والمعلومات الصحيحة عن الحكومات أيضاً، لغياب الحرية الكافية للإعلام وندرة الوسائل المؤهلة للبحث والقياس العلمي لاتجاهات الرأي العام، بنزاهة وموضوعية وشفافية.
لذا تجعل الدول المتقدمة الحق في الحصول على المعلومات وفي حرية الإعلام، أحد البنود الرئيسية في قوانينها، انطلاقاً من ثبوت خطأ احتكار المعلومات أو إخفاء الحقائق، سواء على الشعب أو حتى على الحكومة، باعتبار أن التوافق بين الرأي العام وصانع القرار هو أساس المشروعية.
ولذلك فلا بد من التأكيد على أنه لا إعلام بلا معلومات، خصوصاً في عصر ثورة المعلومات.. ولا معلومات بدون تأكيد مبدأ حق الناس في أن تعلم كل الحقائق بشفافية، في ما يتصل بالسياسات والممارسات الحكومية المؤثرة على واقعها ومستقبلها. كما لا سياسات صحيحة وفي اتجاه مرغوب فيه، إلا بتوفير كل الحقائق بدقة أمام الحكومات، في ما يتصل باتجاهات الرأي العام وواقع وحجم القضايا التي تهم الناس.
وإذا كان من حق الناس أن تعلم ومن واجب الإعلام أن يُعلِم، وإذا كان من حق الحكومة أن تعلم ومن واجبها أن تقرر وفقاً لما تعلم، تعبيراً عن اتجاه الرأي العام أو تأسيساً على حجم المشكلة المطلوب اتخاذ قرار لحلها.
وغياب القدر الكافي من حرية الإعلام وأجهزة استطلاع علمية وقوية ومتكاملة لاستطلاع الرأي، تحرم صانع القرار من الخلفية والوضوح الكافي والحقائق الموضوعية اللازمة لصنع القرار الصحيح، وفي الاتجاه المرغوب فيه لغالبية توجهات الرأي العام.
وقد تمثل هذه النقطة مشكلة حقيقية أمام صانع القرار، فحين تتضارب المعلومات من المصادر المختلفة، كيف يمكن للمسؤول في مثل هذه الحالة اتخاذ القرار السليم؟
ولهذا فإن الوسيلة الموضوعية لذلك، هي ضمان حرية الإعلام في الإخبار وفي التحليل وفي الإضاءة على الأحداث، لتنوير الرأي العام وترشيد توجهاته نحو الاتجاه الصحيح، ونشر مؤسسات الإحصاء وإصدار المعلومات وتقارير مراكز بحوث الرأي العام، باعتبارها ضرورة إعلامية وسياسية وثقافية في وقت واحد.
فإذا توفرت الحقائق والمعلومات بدقة للحاكم والمحكوم، انطلاقاً من مبدأ الحق في المعرفة.. وإذا توفرت للوسائل الإعلامية حرية الإعلام، فإن من شأن ذلك إشاعة مناخ من المصداقية والثقة، سواء بين الحاكم والمحكوم أو بين الداخل والخارج.
وإذا كان واقع الحال في مجتمعاتنا يجعل المعلومات والحقائق الكاملة غائبة في العادة عن أجهزة الإعلام، وبالتالي عن الرأي العام، وحاضرة في الغالب في يد الحكومات بحكم ما لديها من أجهزة جمع البيانات والمعلومات اللازمة لرسم السياسات وإصدار القرارات.. فإن تغييب هذه الحقائق عن الناس، عدا طبعاً ما يمكن أن يمس الأمن الوطني، لم يعد هو الاتجاه المرغوب فيه في عصر أصبحت أهم سماته هي المعلوماتية والشفافية، مما يتطلب من الدول العربية إدخال حق الهيئات ووسائل الإعلام في الحصول على المعلومات وحرية نشرها، في صلب القانون باعتبار ذلك من مرتكزات الديمقراطية. بل إن غياب مثل هذه الحرية وهذه المؤسسات، يؤثر سلباً بدوره على متطلبات النهوض بالعمل الإعلامي، والذي يجعل الصحافة وأجهزة الإعلام الأخرى، تبدو في غياب المعلومات الدقيقة فاقدة للمصداقية في نظر الرأي العام.
إن ضعف دور العمل الإعلامي يرجع إلى غياب بَلْوَرَة واضحة لاتجاهات الرأي العام حول القضايا العامة والسياسات المختلفة الداخلية والخارجية، وبالتالي تفقد بوصلتها في تحديد الاتجاه المعبر عن هذا الرأي العام. وإن غياب هذه البلورة المطلوبة لاتجاه الرأي العام، إنما تنتج أيضاً من غياب أهم الشروط المكونة للرأي العام، وهو شرط أن تتوفر للجماعات والأفراد في المجتمع المعلومات الكافية والدقيقة، بما يسمح لهم بالاختيار بين البدائل وتحديد الاتجاه بشكل صحيح.
إن المجتمع الحي المتحرك هو الذي تتفاعل وتتكامل فيه قوة الرأي العام، ومصداقية الإعلام والسياسات التي تعتمد في رسمها على نتائج القياس العلمي والرصد الموضوعي الدقيق، لاتجاهات القطاع العريض للرأي العام.. وهناك العديد من الأمثلة في الدول المتقدمة، في الشرق أو في الغرب، التي ضغط فيها الرأي العام لاتخاذ قرار أو للتراجع عن قرار احتراماً لرأي المجتمع.
هذا هو دور الإعلام احتراماً لحق الرأي العام، حتى تصل الرسالة الإعلامية الصحيحة بمصداقية، إلى كل صانع قرار ليكون قادراً على اتخاذ القرار الصحيح المعبر عن الإرادة الصحيحة للشعب.. وحتى يمكن القول إن «الرسالة وصلت».