الذين تابعوا مداولات الاجتماع الوزاري للمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي، للتحضير للقمة الاقتصادية والاجتماعية التي عقدت مطلع الأسبوع الماضي في شرم الشيخ.. يتفقون على أن توقيت انعقاد هذه المناسبة الهامة، جاء متزامناً مع حراك اقتصادي اجتماعي مكثف، انطلق مع أحداث تونس.. ومع أن أجندة القمة تم إقرارها منذ وقت طويل، وتمت الموافقة عليها، إلا أن تداعيات تونس ألقت بظلال كثيفة على طاولة القمة.. وهو ما أشار إليه ضمنياً أمين عام الجامعة العربية في خطابه الافتتاحي للاجتماع الوزاري التحضيري، حيث أشار إلى أن القمة تأتي لمتابعة قرارات قمة الكويت الاقتصادية الأولى.. ولكن في ظل متغيرات ومستجدات جديدة، مؤكداً أن أحداث تونس ستكون لها تداعيات على أقطار أخرى، خصوصاً تلك التي تعاني من ظروف اقتصادية واجتماعية مشابهة. ولعل من أهم ما تم تداوله في القمة هو قضايا تتعلق بتشجيع البحث العلمي.. وكنت قد أشرت إلى ذلك في مقال سابق..
كما نوقش موضوع الربط الكهربائي العربي، وتنفيذ خط سكة حديدية بين الدول العربية.. وكان الصندوق الكويتي للإنماء الاقتصادي قد أعد دراسة جدوى للمشروع، ومشروع الاتحاد العربي الجمركي الذي تحدد له أن ينطلق في عام 2015. في تقديري، لا خلاف على أن اجتماعات المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية، ستدفع بمسيرة العمل العربي المشترك، خصوصاً في هذه المرحلة التاريخية الفاصلة، لأن المجلس بحكم تكوينه وأهدافه، يعد من أهم الآليات التي تدعم جهود الأمانة العامة لتنفيذ خططها وبرامجها الهادفة إلى إحداث تنمية اقتصادية واجتماعية، تنتظم كافة أرجاء الوطن العربي، حيث ما زال كثير من الدول العربية يتعثر في تحقيق معدلات نمو اقتصادي مناسبة، بل إن فرص تنفيذها للأهداف التنموية للألفية تبدو بعيدة..
وبما أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي يناط به رسم خارطة طريق تنظيمية، تسير على هداها السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدول العربية، كل حسب إمكانياتها وظروفها الموضوعية. لعل اللافت للنظر هو أن قضايا التنمية الاجتماعية لم تجد حظاً وافراً، في أجندة المؤتمر الوزاري أو القمة، إذ بدا لي ولغيري كأن القمة هي قمة اقتصادية في المقام الأول، وأن الـُبعد الاجتماعي بعد إلحاقي ليس أكثر.. يحدث هذا رغم أن إفادات عديدة تؤكد أن التنمية المستدامة لا تحدث بزيادة معدلات النمو الاقتصادي، فالنمو الاقتصادي يعد أحد وسائل تحقيق التنمية الاقتصادية. وعندما ندعو لضرورة أن تتكافأ القضايا الاقتصادية مع القضايا الاجتماعية، فإننا ندعو لتحريك وتفعيل التنمية بمفهومها الشامل، حتى يمكن إيجاد حلول لمشكلات البطالة والفقر، وخصوصاً في الدول العربية الأقل حظاً..
ولعل ذلك ما جعل الأمين العام للجامعة العربية يدعو إلى معالجة قضايا الشباب وتمكين المرأة، دون إغفال أهمية الخدمات الصحية وقضايا التعليم والسكان والإسكان، وهي من القضايا الاجتماعية المحورية التي لم تجد المساحة المناسبة في أروقة هذه القمة الهامة، والتي انعقدت في ظروف حرجة ارتفعت فيها الأصوات بضرورة إيجاد حلول لقضايا المجتمع، لأن التسارع في دعم السلع الضرورية كالقمح والسكر والزيوت النباتية، لا يضمن استقرار أسعارها بأي حال.. وتكفي الإشارة لتقرير منظمة الأمم المتحدة للأغذية (FAO) الذي أكد أن أسعار المواد الغذائية سجلت ارتفاعاً مهولاً تجاوز بكثير أزمة عام 2008، وأن أسعار الحبوب لا محالة ستواصل ارتفاعاً لا يمكن إبطال معدلاته..
وها هي مصر بادرت برصد ما بين مليارين وثلاثة مليارات جنيه إضافية، لتعويض النقص في المواد الغذائية الضرورية. والمعروف أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية ستصاحبه بالضرورة زيادة أسعار مواد أخرى، كاللحوم والخضروات والفواكه التي لا غنى عنها أيضاً. هكذا رمت القضايا الاقتصادية بكل ثقلها على الواقع العربي، وهكذا تبقى قضية النمو الاقتصادي مفصولة عن قضية التنمية الاجتماعية..
ويبدو أن ذلك جعل تركيز القمة على قضايا الاقتصاد، وهو ما أجمعت عليه تقارير المراقبين.. ويبقى الأمل معقوداً على المؤسسات والمجالس العربية المتخصصة، لإعادة الهرم المقلوب إلى وضعه الطبيعي؛ مثل صندوق النقد العربي، وصندوق الإنماء العربي، والبنك الإسلامي، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، والمركز العربي لبحوث المناطق الجافة والأراضي القاحلة..
وهي منظمات ما زالت تعمل كبيوت خبرة استشارية، يتعين عليها التنسيق في ما بينها لإيجاد حلول للمعادلات الصعبة، التي ما زالت في انتظار حل عاجل.. ولعل من أهمها مشكلات البطالة بين الشباب، وارتفاع معدلات التضخم، وأعباء الديون ومكافحة الفقر.. ولعل مبادرة البنك الدولي التي اقترحها على العالم العربي بضرورة دعم مشروعات التنمية الاجتماعية، قد تساعد على تجاوز هذه المشكلات، خصوصاً بعد أن تم بالفعل التوقيع على مذكرة تفاهم بين الأمم المتحدة والبنك الدولي لتحقيق هذه المبادرات.
أعود للقول ان قضايا التنمية الاقتصادية لا تنفصل عن قضايا التنمية الاجتماعية، وقد جاء قرار إنشاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي لتأكيد ذلك، بدليل أن كل القرارات التي اتخذها المجلس تدعو لضرورة تبني المفهوم الشامل للتنمية الشاملة، لضمان استدامتها.