حين نقول إننا نعيش في مجتمع صحي آمن مستقر، فإننا نستنطق ونستشهد واقعاً تنبري فيه آلاف الأدلة على مصداقية هذه الحقيقة، وتبرهن عليه مئات الجنسيات والإثنيات التي تنعم بالعيش الرغيد على أرضنا وبين ظهرانينا.
حياة وجد فيها الكثيرون من أبناء الوطن والوافدون الطريق إلى أحلامهم، في مجتمع يقدر الكفاءات ويرقى بالمبادرات، ويؤمن البيئة الصحية للعائلات المقيمة على ثرى هذا الوطن، ما دامت تخدم ضرورات النهضة وبرنامج الحضارة والعمل لما ينفع الوطن، ولكل مجتهد نصيب..
هذه الكوادر المعطاءة المبدعة الباحثة عن إثبات ذاتها، لن تستطيع التقدم والعطاء كما يراد لها، إذا شعرت أنها محاصرة بالخطر مهما كان مصدره وحجمه، فهي معادلة لا تقبل النقض في ميزان الحياة، فالشعور بالأمان على النفس والأبناء والأهل، يخلق في المجتمع بيئة مستقرة تبدع وتنتج وتعطي.
والإعلام شريك أساسي في صناعة هذا الاستقرار بشكل أو بآخر، عبر ما تتناقله وسائله من أخبار قد يحدث وقعها في النفوس أثراً غير المأمول من صياغتها، إذا لم يرافقها حسم اجتماعي يرصد الأخطاء ويعالجها، ويقدم جرعات من الأمان تعادل أو تفوق جرعات الاضطراب.
دافع هذه المقدمة ما نشرته صحفنا المحلية قبل أيام، وتنشر بين الحين والآخر ما يشبهه من حوادث، وهي قضية طفلة اعتدى عليها المرافقون لها من موظفي المدرسة، في الحافلة المدرسية التي تقلها من وإلى البيت، أو بين بيتها الأول وبيتها الثاني كما يحلو لنا أن نغرس في نفوس أبنائنا، ودنسوا براءتها بأيديهم الملطخة، وهي بالنسبة لأعمارهم كالحفيدة الصغيرة، وتابعنا آلام الأبوين وتكتمهم على الحادثة لمدى شهرين، إلى أن تجرؤوا على البوح بمصيبتهم، والخروج من دائرة الصمت.
قضية لا تعني أصحابها فقط، بل تعني وتهم الجميع، لأنها قضية نحرص على أن لا تصبح ظاهرة، ونقع في ما لا تحمد عقباه.
وإذا شاعت بين الناس أخبار الاعتداء على الصغار، وبعضها مع الأسف يكون في المدرسة على أيدي الموكلين وظيفياً بحمايتهم ورعايتهم، فهي صدمة مخيفة وقضية أمنية خطيرة، تنذر بما هو أعظم إن لم يتم وضع اليد بقوة عليها ومنعها من الانتشار.
ولا ننكر جدوى الإعلام في التعامل مع هذه المسألة بهدف التوعية وتحذير الأهل، ولكن هل وصلت الرسالة كما يراد لها أن تصل إلى الوالدين؟ هل نضمن أن لا تكون مثل هذه الأخبار قاصمة ظهر للكثير من الآباء الذين يدب الخوف في نفوسهم من ترك أبنائهم في مهب الخطر؟ وهل يؤدي الإعلام رسالته التوعوية كما ينبغي حتى نتجنب مثل هذه الأخطاء قبل وقوعها؟
إن التساهل في التعاطي مع هذه القضايا يحطم استقرار المجتمع، رغم قلة حدوثها، أو على الأقل يهز هذا الاستقرار، وتبقى الأسر تحسب حساب طريق أبنائها بدل أن تتوجه للعمل والعطاء. ولا تلام أي أسرة حين تعيش في هذه الدوامة، إن لم نسارع إلى بث الطمأنينينة في نفوسها عبر البرامج الأمنية الإعلامية النشطة، التي تتفهم هواجس الأسر وتحاول اختراق أجواء حياة الصغار في البيت والمدرسة، بالتوعية والحضور والمتابعة الحثيثة، مع ضرورة التعاون بين الأسرة والمدرسة من خلال مجالس الآباء والأمهات، وتكثيف برامج التوعية من خلال وسائل الإعلام المختلفة، لمكافحة العنف ضد الأطفال بكافة أشكاله، وتطوير أساليب التدريس وتضمين المناهج الدراسية التثقيف الملائم لهم، مع حرص إدارات المدارس على متابعة كل شاردة وواردة تهم أبناءنا الذين بين أيديهم، ولا ننتظر حتى يقع الفأس في الرأس لننقذ ما يمكن إنقاذه. والذي لا يُختلف عليه في ثوابت المجتمعات والأسر بطبيعة الحال، أن توفير بيئة آمنة للأطفال في المدارس أهم من التعليم والتحصيل الدراسي، فحين يقف الخوف في طريق المدرسة يترصد الصغار ويهدد أمنهم، نكون قد حكمنا على مستقبلهم بما لا تحمد عقباه.
ومما يتصل بهذا الأمر، أهمية قيام المؤسسات الإعلامية بفحص الأفلام والبرامج الخاصة بالأطفال، ومراعاة خلوها من العنف والإساءة لهم، ومعالجة مشكلة تسربهم من المدارس، والاهتمام بتعيين الاختصاصيين النفسيين في المدارس الابتدائية، للتدخل في معالجة مشكلات الأطفال الذين يساء إليهم، إضافة إلى ضرورة توعية الآباء والأمهات وإرشادهم إلى الأساليب التربوية السليمة.
والشيء الذي ينبغي الوقوف عنده، هو التأكيد على موقف الأهل من مثل هذه المشكلات التي يتعرض لها أبناؤهم، فالاكتفاء بالحسرة والتردد لن يقي المجتمع من تكرار مثل هذه الجرائم، ولذلك ينبغي وضع الجهات الأمنية دائما في الصورة، ونحن على ثقة بأن كوادرنا الأمنية لديها من الحنكة والدراية ما يكفل للأسر أمانها وأمان أطفالها.