ترتفع الأصوات بين الفينة والأخرى مطالبة بحلول جذرية للتركيبة السكانية. ويتفق البعض على أن ثمة خللا في هذه التركيبة، ويرى فريق آخر أن هذا الخلل مبرر، وأنه ضريبة للانفتاح الاقتصادي والتطور التنموي الذي تشهده البلاد. ويرى البعض أن هناك أخطاراً على المجتمع، ويرى آخرون أن لا خوف على المجتمع، وأن الإمارات قادرة على استيعاب عناصر هذا الخلل.
وشُكلت لجان لدراسة هذه التركيبة ووسائل علاجها. فرأى البعض ضرورة التصدي الواضح، ورأى البعض أن العلاج يجب أن يكون بهدوء حتى لا يؤلّب المجتمع الدولي علينا، ولا تحتجّ جمعيات حقوق الإنسان، وكأن إنسان الإمارات ليس له الحق في حماية نفسه ومجتمعه وأجياله القادمة. تنفتح أبواب الحريات والحقوق للجميع، وتُسدّ أمام ابن الإمارات إذا تحدث عن الخلل في هذه التركيبة، فهذا ليس من حقه!
طُرحت سبل عديدة، منها التوطين المرحلي، والمرحلي المُستحَى منه بنسبة 5٪ أو أقل أو أكثر قليلاً من ذلك، وفي وظائف محددة وفي نطاق ضيق. ورأى البعض عدم إلزام القطاع الخاص بالتوطين، إلا بعد أن يتم توطين القطاع الحكومي.. كلها مزايدات وكلام حق يُراد به باطل.
يرى البعض أن هذا الخلل نتيجة حاجة السوق التي تتطلب أيادي عاملة رخيصة، وكأن السوق أعزّ على هؤلاء من الوطن. لقد أضاعت التركيبة السكانية لغتنا وأفقدتنا أهم عنصر من عناصر هويتنا، لأننا نسعى لإرضاء السوق من خلال تغريب مخرجنا الدراسي، ولا نفكر في أن نجبر السوق على قبول مخرجنا العربي. تحولت جميع جامعاتنا الحكومية والأهلية إلى التعليم باللغة الإنجليزية لإرضاء هذه السوق.
ماذا لو تم تعريب لغة السوق؟ ماذا لو تم تعريب أعمال المصارف؟ أعتقد أن أبناءنا الذين تعلموا في مصر والبلاد العربية الأخرى، وفي جامعة الإمارات، قادرون على العمل في المصارف باللغة العربية. أليس الوزراء الذين يدفعوننا إلى تعلّم اللغة الإنجليزية، هم من خريجي المدارس العربية والجامعات العربية؟
يحتج البعض بأن المصارف تتعامل مع الخارج، وماذا في ذلك من غرابة أو صعوبة؟ أعتقد أننا يمكننا أن نخصص قسماً داخلياً للتعاملات الخارجية، كما أن خريجي المحاسبة باللغة العربية لن يعجزوا عن العمل في التعاملات الخارجية.
أتعلمون كم وظيفة ستشغُر لو حدث هذا؟ أعتقد أن محافظ البنك المركزي الذي يراقب تحويلات البنوك لديه الإحصائية. ولو تم شغل هذه الوظائف فكم مواطناً سيستفيد؟ وكم عربياً ستكون أمامه الفرصة للعمل وتحقيق التكامل الاقتصادي العربي الحلم؟
هذا قطاع واحد، والقياس على باقي القطاعات. فماذا لو جربنا ذلك في قطاع واحد؟
الرخص التجارية الوهمية، ماذا لو تم حصرها جيداً وإلغاء أغلبها مما لا تحتاج إليه السوق، خاصة تلك الرخص ذات العمالة المتدنية التي لا تمثل إضافة، بل تسيء اجتماعياً واقتصادياً وحضارياً إلى الإمارات؟
ماذا لو أُغلق كثير من البقالات المتناثرة في الأحياء والأزقة، وأُعطيت الفرصة للجمعيات التعاونية للعمل دعماً لها وتحقيقاً لأهدافها؟ كثيرون هم الذين سيحتجون لأنها تمثل لهم دخولاً إضافية، لكنها في الحقيقة تمثّل عبئاً على الوطن.
ليخسر الجميع دخولهم التي تؤذي الوطن، ويبقى الوطن عزيزاً وكريماً، له من أهله الولاء وصدق الانتماء، ليربح الجميع في نهاية المطاف.
يجب أن لا تُلهينا المكاسب الطارئة عن حب الوطن. تحية لكلّ الغيورين على وطنهم وثقافتهم وهويتهم، وتبقى الإمارات.