اجترحت الإدارة الأميركية مسمىًّ جديداً للدول المرشحة لأن تكون ملعباً لما يُسمى بالحرب العالمية ضد الإرهاب، وهذا المُسمى يتلخص في كون هذه الدول تتجه نحو أن تكون دولاً فاشلة. والحقيقة أن مفهوم الدولة الفاشلة ليس مكرساً ولا مُعرّفاً في الأدبيات السياسية، التي سادت دول العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما أن مفهوم بيئة الإرهاب دخل إلى الأدب السياسي العالمي بطريقة قسرية، وباستطراد حر على واقعة سبتمبر. بدا الحادي عشر من سبتمبر كما لو أنه مناسبة استثنائية لغزوتين عسكريتين سافرتين، ولمنطق غرائبي في التعامل مع الحقائق الموضوعية، فالإرهاب المجيّر على ما يسمى بتنظيم القاعدة، مبرر مناسب لتغيير الأنظمة السياسية وخلخلة البنى التاريخية الموروثة ضمن توازن ومنطق داخلي يعرفه أهل البلد قبل غيرهم، كما أن سبتمبر بدت بمثابة عتبة انطلاق رخوة لمشروع خائب، نلاحظ أبعاده الكئيبة في العراق وأفغانستان، ونلمس ظلاله القاتمة في باكستان والصومال، فيما يتم ترشيح اليمن لذات المتاهة الكونية المفارقة لحكمة التاريخ والجغرافيا.

وعَدت الإدارة الديمقراطية في الولايات المتحدة بتغيير يشمل السياستين الداخلية والخارجية، ولكنها وجدت نفسها أمام فخاخ ومصائد داخلية وعالمية دونها المعطيات التالية:

ـ الأزمة المالية الدولية، النابعة من الاستحقاقات الجهنمية لأقانيم مؤسسة الصناعات العسكرية والاستراتيجية الأميركية والبورصة الدولية في وول ستريت وصندوق النقد الدولي، بوصفها جميعاً تمثل عتاة اليمين الرأسمالي الأميركي المتوحش، الذي يعتقد أن بوسعه تسيير العالم وفق نواميسه الخاصة.

ـ مصيدة ما يسمى بالحرب العالمية ضد الإرهاب، التي وصلت في نهاية المطاف إلى طواحين هواء دونكيشوتية، تندرج ضمن إطار ما يسمى بتنظيم القاعدة الإرهابي الهلامي غير واضح الملامح وغير القابل للتشخيص.

ـ إرعاب العالم بسلسلة من الحوادث الإجرامية المتفلتة، والتي تستهدف عامة الناس من الأبرياء ثم تنبري لتقدم نفسها بوصفها إرهاباً إسلامياً سلفياً جهادياً، حتى إن هذه الحالة تتمدد حصراً في المناطق التي يُراد إقلاق طمأنينتها وحياتها الطبيعية.

ـ تعميم اصطلاح الدولة الفاشلة، صفة انتقائية لصيقة بالمناطق المستهدفة. وهكذا نجد مفارقة عجيبة في العالم العربي على سبيل المثال، فاليمن دولة فاشلة، ولكن بقية الدول العربية ليست فاشلة، وكذا الحال بالنسبة لبقية دول إفريقيا التي لا تختلف جوهرياً عن العالم العربي، وسنرى أن منطق التدخل العسكري غير المُشرْعن دولياً، يقدم نفسه بوصفه دفاعاً عن أمن الولايات المتحدة، وهذا النوع من الدفاع لا يقف عند تخوم الغزو والاحتلال المباشرين، بل يتنكّب مشقة استخدام الطائرات والصواريخ العابرة للقارات، والقاتلة لمجاميع مدنية مسالمة في باكستان، وأفغانستان، واليمن. ويتحدث عرابو مثل هذه الأفعال بعنجهية سافرة، مُعتبرين أن من حق الولايات المتحدة أن تستخدم طائرات دون طيار، وصواريخ أرض ـ أرض دون إذن من أحد، وفي المكان والزمان الذي يرتأونه دونما تفسير أو تبرير. استهداف اليمن يدخل ضمن هذه المتوالية، ويرتبط بالموقع الاستراتيجي الذي يدفع اليمن ثمنه، أولاً؛ بوصفه العمق الديمغرافي الأكبر في الجزيرة العربية المتخمة بالنفط والغاز، وثانياً؛ بوصفه مطلاً على أربعة بحار (المحيط الهندي، بحر العرب، خليج عدن، البحر الأحمر) بما يساوي ‬2500 كم امتداداً في الشاطئ، وثالثاً؛ بوصفه الدولة السيادية المطلة على مضيق باب المندب، والتي تتناسخ بحوالي ‬350 جزيرة بين البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، رابعاً؛ بوصفه إطلالة استراتيجية على شرق إفريقيا بامتداداته، والمحيط الهندي بامتداداته. هذه هي الأسباب الحقيقية التي حدت بالإدارة الأميركية ومن يقف معها أو خلفها، للاهتمام باليمن تصعيداً وقتلاً وقصفاً.

على خط متصل، كشفت قصة الطرود المفخخة تهافت الأفعال الأمنية الخفائية، المجيرة حصراً على ما يسمى بتنظيم القاعدة، والشاهد أن الرئيس الأميركي أوباما انبرى شخصياً للطردين المفخخين، ليعلنها حرباً مباشرة على القاعديين في اليمن! وفي المقابل، كان رد الرئيس اليمني علي عبدالله صالح هادئاً ومحدداً: نحن نتعاون في الحرب العالمية ضد الإرهاب، ويمكننا معالجة الأمر الداخلي اليمني بأنفسنا ولن نسمح بتدخل أجنبي.

وحتى تنكشف لعبة الطرود المفخخة، سرعان ما سمع العالم عن سبعة طرود ذات طابع يوناني، وموجهة إلى رؤساء دول وبرلمانات، الأمر الذي حدا بالسلطات اليونانية الحائرة، والغارقة حتى مخ العظم في أزمتها المالية، للقول ان الطرود اليونانية صادرة عن تنظيمات يسارية متطرفة، ثم أردف وزير الداخلية اليوناني: إن طرود اليونان ليست إرهابية! وهكذا، سنرى أن الإرهاب مفصل على البيئات العربية الإسلامية فحسب!

حكاية الطرود المفخخة، لا تدل فقط على صانعيها الحقيقيين من غير المنفذين، بل تذكرنا بذات الصفة المجيرة على قرصنة البحار المريبة، الموصوفة اسماً ورسماً باعتبارها «صومالية»، ولكنها في الحقيقة صناعة إقليمية ودولية، تتم رعايتها وتخصيبها لتكون مبرراً جديداً للسيطرة الفعلية على البحار الأربعة المحيطة باليمن، والصومال، وجيبوتي، وأريتريا.

صانعو هذه السيناريوهات حددوا رقعة الشطرنج على النحو التالي: أريتريا دولة مارقة، وفق المفاهيم السياسية المركزية الأميركية، وإثيوبيا كفيلة بخلخلتها داخلياً عند الضرورة. جيبوتي دولة صغيرة كفيل بأمرها وجود قاعدة أميركية، حلت محل الذاكرة العسكرية والجيو ـ سياسية الفرنسية. الصومال دولة غائبة، يمكن التعامل معها في أية لحظة، كما تم التعامل مع حركة طالبان أفغانستان. وأخيراً، تبقى اليمن، التي عليها أن تتأهل لتلتحق بالثلاثي السابق من خلال إشهارها بوصفها دولة فاشلة، والهدف الحقيقي أنها الجائزة الكبرى في مشروع السيطرة على البحار الأربعة، وكامل الامتدادات الجغرافية في عمقي الجزيرة العربية وإفريقيا.