أحد التجليات الهامة لثورة الياسمين في تونس التي نرجو الله أن يكتمل لها النصر وألا يخطفها أو يجهضها المتآمرون.. أحد تجلياتها الهامة هي إعادة الاعتبار للشارع العربي بعد أن كان المراقبون في الداخل والخارج، ومعهم الجاثمون على صدر الشعوب يتصورون أنه استكان لما هو فيه وفقد الأمل في الإصلاح وفي العدل والحرية، واستسلم أمام سطوة الاستبداد، ووقف عاجزاً أمام أنظمة ــ مثل نظام بن علي ــ ينخر فيها الفساد المحتمي بقوة البطش الداخلي وبالرضا من قوى الخارج التي لا تهتم إلا بمصالحها، والتي كانت ترى في مثل نظام بن علي حليفاً ظلت حتى اللحظة الأخيرة تراهن عليه وتبدي استعدادها لإنقاذه كما فعلت وزيرة خارجية فرنسا التي عرضت في عز الأزمة إرسال قوات لمكافحة الشغب في تونس الخضراء.

ثورة الياسمين قامت في غياب اليسار واليمين، وبدون أي دور فاعل لأحزاب بعضها كان قد استكان للنظام، وبعضها كان الحصار والبطش قد أبعده عن الساحة. الشارع هو الذي تحرك، وهو الذي قدم الشهداء وهو الذي لم يناور أو يحاور، وهو الذي استطاع- في لحظة الحسم؟ رفع الغطاء الكاذب عن الجيش الوطني ليتحول من سيف للنظام المستبد إلى قوة تساند مطالب الشارع في العدل والحرية. فرحة الشعب العربي في كل أقطاره، واحتضانه لثورة الياسمين واعتزازه بها أثارت بالطبع المخاوف لدي أنظمة عديدة تسير على نهج بن علي في القمع والاستبداد، لتبدأ في تقديم بعض التنازلات لشعوبها، أو الاستعداد لأيام صعبة، والتأكيد على أن الظروف بها تختلف عن الظروف في تونس، ولا شك أن الظروف تختلف في التفاصيل ولكن الظلم واحد، والفساد واحد، وشوق الشعوب للعدل والحرية واحد، والأهم أن الشارع العربي يستعيد في تحركه إيمانه بأن المصير العربي واحد، بل إن العالم كله يتعامل معنا انطلاقاً من هذه الحقيقة، والدليل أن أحداً في العالم لم يربط بين ما جرى في تونس وإمكانية أن تنتقل عدواه إلى دول إفريقية أو آسيوية تمر بظروف أسوأ بكثير ولكن الحديث كله عن الأوضاع في دول عربية أخرى، تابعت شعوبها ما يجري في تونس باعتباره شأناً داخلياً للوطن العربي كله.

درس ثورة الياسمين الهام هنا هو أن هذا الشارع العربي مازال ينبض بالحياة رغم كل علامات الموت الظاهري التي كانت تبدو عليه من سنوات. والشارع العربي يعرف الوحدة بأكثر مما تعرفها الأنظمة (مع العزاء الكامل للذين راهنوا على أن ما بين الشعوب العربية يمكن أن تبدده مباراة كرة أو برنامج تلفزيوني) والشارع العربي لم ينفصل حتى وهو تحت الاحتلال أو القمع، كل ثورة عربية حقيقية امتدت آثارها على طول العالم العربي وعرضه، وقبل قرن عندما شهدت مصر ثورة الشعب ضد الانجليز عام ‬1919 كانت آثارها في كل بلد عربي، بل واعترف غاندي بعد ذلك بأنها ألهمت الهند ثورتها ضد نفس المحتل. وفي الخمسينات من القرن الماضي كان الشارع العربي هو صاحب القرار وهو يخوض المعركة ضد الاحتلال وضد التآمر الأجنبي والإقليمي لحصار القومية العربية وضرب محاولاتها للتحرر والاستقلال والوحدة والتقدم. الشارع العربي هو الذي ساند مصر وهي تخوض حرب ‬56 ضد تحالف فرنسا وبريطانيا وإسرائيل حتى انتصر في حرب السويس. الشارع العربي هو الذي اسقط كل محاولات فرض الأحلاف الأجنبية على العرب، والشارع العربي هو الذي وقف وراء وحدة مصر وسوريا عام ‬1958، والشارع العربي هو الذي ساند عبد الناصر بعد هزيمة ‬67 ليعيد بناء جيش العبور، وهو الذي أعلن تصميمه على الثأر حتى تحقق انتصار ‬73. والشارع العربي هو الذي انتفض بعد ذلك في أكثر من قطر عربي انتصاراً للعدل والحرية، وطلباً لرغيف الخبز أو حرية الرأي.

ولكن علينا الاعتراف بأن التراجع ساد في الشارع العربي بعد ذلك وعلى مدى سنوات طويلة. كانت هناك مشاعر بخيبة الأمل بعد تراجع المشروع القومي وكان هناك استغلال لأخطاء كارثية مثل غزو الكويت الذي ترك آثاره الوبيلة على العالم العربي، وكان هناك الإحساس بالعجز عن مواجهة القوى الخارجية التي استغلت أحداث ‬11 سبتمبر لتضع العالم العربي هدفاً للتدمير وساحة لنشر الفوضى (التي بشرتنا بأنها خلاقة) وكانت هناك المحاولات التي لم تتوقف لإغراق العالم العربي في حروبه الداخلية التي تقسم الشارع العربي وتبعده عن معاركة الحقيقية. وكانت هناك سياسات أميركية تساند بعض الأنظمة المستبدة (مثل نظام بن علي) وهي تصادر الحريات وتنشر الفساد وتمارس القمع. وكانت هناك آفة الإرهاب والتطرف التي تم إطلاقها لتدمير العالمين العربي والإسلامي، والتي تم استغلالها من جانب بعض الأنظمة العربية لتبرير استبدادها ولوضع الشعوب بين خيارين كلاهما مرير ومدمر الإرهاب أو الاستبداد، في تجاهل تام لحقيقة أن الاستبداد والفساد والظلم الاجتماعي هي أصدق الحلفاء لكل إرهاب، والعكس صحيح رغم كل مظاهر الاختلاف.

ثورة الياسمين تسقط الرهان على أن الخوف من إرهاب محتمل يفرض على الشعوب أن تقبل بالاستبداد والظلم وقمع الحريات والفساد الذي جاوز في حالة تونس كل الحدود ثورة الياسمين تسقط الرهان على أن الأمن يكفي لحماية أي نظام بعيداً عن العدل والحرية. وثورة الياسمين تثبت أن الرهان على أن الخوف (من قمع النظام أو الإرهاب) سوف يشل حركة الناس هو رهان خائب، ففي لحظة واحدة انتفض الشارع في تونس وفرض الشعب كلمته وأسقط الفساد الحاكم وفتح طاقات النور والحرية وتخطى اليمين واليسار وعجز الأحزاب أو غياب المعارضة، ليقول إن الشارع العربي الذي ظن الكثيرون أنه عاجز ومشلول، يملك من الطاقات ما يقهر بها الخوف ويتحدى القهر والإذلال، ويستعيد الحرية والكرامة . الشارع يتحرك ويثور وينتصر. والخوف ينتقل إلى من استبدوا وقهروا وعادوا الحرية ونشروا الظلم والفساد في أكثر من بلد عربي. صحيح أن الأوضاع تختلف ولكن كرامة الإنسان واحدة، والشوق إلى العدل والحرية واحد. وصحيح أنه من السذاجة أن يتصور البعض أن حرق مواطن يائس نفسه سوف يشعل الثورة كما حدث في تونس، ولكن الصحيح أيضاً أن إطلاق الفتاوى الدينية حول تحريم الانتحار لا يكفي لعلاج الموقف. فقتل النفس بالانتحار حرام، وقتلها أيضا بالفساد الاستبداد والظلم الاجتماعي حرام أكبر، والحل ليس بالفتاوى الدينية أو السياسية، بل بالتغيير الحقيقي في السياسات التي أدت إلى هذه الأوضاع، وبالإصلاح الحقيقي الذي يضمن كرامة الإنسان ويصونها من القهر السياسي أو إذلال الفقر أو مهانة الحرمان، فوحدها العدالة الاجتماعية والحريات السياسية هي التي تبعد عوامل الانفجار وتفتح الباب لاستقرار حقيقي الذي يعطي المواطن فرصته الكاملة في العلم والعمل والإبداع. وسوف تكون كارثة لو تصور «البعض» أنه يمكن التحايل على ذلك ببعض الإجراءات الجزئية، أو التصريحات الوردية،أو الفتاوى التي تبرر إبقاء الأوضاع الفاسدة على ما هي عليه، فالشارع العربي قد دبت فيه الحياة، والملايين ــ في الوطن العربي ــ تتنسم عطر الياسمين الذي طال اشتياقها إليه!