منذ أن كنا صغاراً وتعلمنا ونحن في المدارس ثم كبرنا وقرأنا كتب التاريخ عرفنا أن ما إن ينزل الاستعمار إلا ويعمل على التفريق بين أفراد الشعب ويطبق مبدأ (فرق تسد)، ويأخذ أشكالا عديدة في تطبيق هذا الشعار بين السلم والحرب.
ومنذ أن تعرضت اغلب الدول العربية للغزوات الاستعمارية مع بدايات القرن الخامس عشر واتجهت الأنظار إليها أخذت حركات المقاومة والتحرير من الغزاة تنمو وتنتشر، واشتدت منذ أربعينات القرن الماضي حيث ظهرت دعوات المطالبة بالاستقلال والتحرير وبروز دعوات الوحدة بين الشعوب العربية واندماجها في كيان وحدوي ليصبح لها كيان سياسي ذو سيادة، تعبيرا عن رغبات الشعوب في التآلف والتآزر في مابينها.
والآن وبعد ما يقارب من خمسين عاماً ظهرت لنا حركات الانفصال والتجزئة بين بعض الشعوب العربية التي تأثرت بالأفكار المستوردة حول الانفصال والاستقلال بعد أن كانت دول لها سمعتها وقوتها وتعتز بقوميتها العربية بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللون أو اللغة، وتتفكك الآن لتصبح سهله للنيل من وحدتها كما يحدث الآن في السودان التي يخيل لبعض أفراد شعبها أنها سوف تنجح مع خيار الانفصال ولكن ربما الأيام تثبت لنا أنها سوف تكون جزءاً من مطامع من يحاول الاستئثار بثروات وخيرات السودان الشقيق.
يقع السودان على خطين مداريين وتبلغ مساحته 2,5 مليون كم مربع تحدها مصر وليبيا وتشاد وارتيريا وإثيوبيا وأوغندا وكينيا وإفريقيا الوسطى والبحر الأحمر وتتكون من 26 ولاية عاصمتها الخرطوم، وتعتبر من اغنى الدول العربية والإفريقية في الثروات الطبيعية والأراضي الصالحة لزراعه وتربية الحيوانات نسبه إلى وقوع الجزء الأكبر من نهر النيل الخالد في أراضيها ويبلغ طوله 4132 ميلا بالإضافة إلى استخراج كميات كبيرة من النفط أكسبتها مميزات لتصبح من الدول التي قد تعتمد على نفسها وتصدر مواردها إلى الخارج، ولكن ما حدث في الآونة الأخيرة لهذا الشعب الذي عرفناه باعتزازه بوحدته قد تزعزع أمنه واستقراره وأصبحت سمة النزاعات الحدودية والاضطرابات القبلية والحرب الكلامية بين الأحزاب والصراع على السلطة ومن يحكم السودان وأي حزب سوف ينجح في السيطرة على هذه الأوضاع، تلك ابرز ما كان يدور في هذه الأراضي، ويظهر بين فتره وأخرى.
ما حدث في الأشهر الماضية من إصرار شعب الجنوب على الانفصال عن شقيقه الشمال هو أمر علامات التعجب والاستفهام طرحت نفسها عليه، لماذا بعد أكثر من خمسين عاماً من الاستقلال طرح موضوع الانفصال بين الشماليين والجنوبيين ومن المستفيد من هذه التجربة الجديدة، هل هي السلطة أم الأحزاب أم الشعب أم هي القوى الخارجية التي وضعت الشمس بيد والقمر بيد ولمعت الزجاج لتصبح الرؤية واضحة لفترة بسيطة لمن يريد الاستقلال ويفرح ويرقص كل من يريد على حد القول أن يعيش بسلام.
نشوة الفرح مسيطرة على البعض والحزن على البعض والصورة مازالت ضبابيه وتحتاج إلى الوقت الطويل للحكم عليها، وهل فعلاً الشعب السوداني سوف ينقسم شمالي وجنوبي؟، أو كما قال الرئيسين البشير وسلفاكير بأن كل من يريد التنقل مابين البلدين والإشراف والمتابعة على أي جزء من الشمال أو الجنوب له الحق كذلك بالنسبة للشعب؟، إذا كانت هذه الصيغة مطروحة فلماذا الانفصال؟، هل لأن الشعب يريد ذلك أم الآخرون الذين يدعمون الجنوب ويريدون له الانفصال حتى يتمتعون بثرواته؟
أسئلة كثيرة تراود كل عربي وتؤلم من يؤمن بالوحدة العربية، والذي يشعر بأن التفتيت والتجزئة قد أصبحا سمة العديد من الدول العربية.
ما نتمناه، وإن كان على ما يبدو قد أصبح مستحيلا، أن يتراجع كل من يريد الانفصال من السودانيين ويعود هذا البلد آمنا مطمئناً كما كان من قبل ولا نسمح للطامعين بأن يستغلوه، وأن تتوقف هذه الظاهرة التي بدأت تظهر في العديد من الدول العربية ومازالت، إلى أي نتائج سوف يصل بنا مسلسل التجزئة والتفتيت، هل نترك الأسد المفترس يأكل القطيع واحدة تلو الأخرى، بالأمس العراق واليوم السودان وغدا من سيكون، ربما يكون الخطأ فينا، لماذا لا نتكاتف لنواجه الرياح معا، وماذا بعد السودان البلد الكبير بمساحته وشعبه وثرواته؟؟
كاتبة إماراتية