بين الاستمتاع بحرية الإعلام والانسلاخ من ضوابط الإعلام، مساحة لا نبالغ إذا وصفناها بأنها «مقدسة»، تسري في أوصالها تقاليد المجتمع وثقافته وتراثه ومبادئه التي لا يقبل التنازل عنها أو التنازع حول شرعيتها، هذه المساحة تترك للمجتمع بهيئاته المسؤولة عن رتمه ونظمه، لتنسج وفق ما يتوافق عليه أفراد المجتمع نسيجاً من الكوابح الأخلاقية، إن جاز التعبير، تحكم ما ينشر في وسائل الإعلام ضمن منظومة رقابية عاقلة واعية، تحسن اختيار ما يصلح للمجتمع وتماسكه، دون الوقوع في فخ الوصاية على خيارات الناس.

هذه المقدمة التي نطل من خلالها على فكرتنا، وطد لها ما نشرته «البيان» قبل أيام عن محام لجأ إلى عرض العديد من المجلات العربية والأجنبية المرخص لها في الإمارات، وتباع للكبار والصغار على حد سواء وتملأ أرفف المكتبات والمحال التجارية في الإمارات، وفيها كم مروع من الصور الفاضحة المنشورة «سهواً أو عمداً» من أعين الرقابة، وقدمها للمحكمة في معرض دفاعه عن موكله المتهم بنشر صور فاضحة من خلال جهاز ترفيهي في صالة بلياردو..

وإذا خرجنا بالمسألة من جدران المحكمة وما يبرع فيه المحامون من حشد الأدلة التي تخدم هدفهم في قضيتهم المترافعين لها، فإننا نقف أمام قضية اجتماعية تمسنا جميعاً، جديرة بالتريث عند تناولها وعدم ذر الرماد عليها وتجاهلها، لأنها قضية لا تخص متهماً واحداً يبحث المحامون عن براءته أو إدانته، ولكنها قضية أكبر؛ المدان فيها بعض وسائل الإعلام غير المسؤولة، والرقابة الحاضرة أمام ما يطلبه تجار الإعلام، الغائبة أمام ما ينشده المجتمع ويرتضيه.

وإذا كنا نعيش في بلد وضع حرية الإبداع والإعلام استراتيجية تنظم حركة العمل في هذا القطاع، ورعاها حكام الإمارات وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، إلا أننا نعد أنفسنا كإعلاميين أولاً، وكأفراد مجتمع ثانياً، مسؤولين قبل الرقابة عما يوضع في أيدي هذا الجيل من الشباب.

والمسؤولية الأخلاقية التي تصبغ العمل الإعلامي، تحكمها المهنية الاحترافية من دون النزول إلى هفوات تحريك الغرائز لزيادة المبيعات، والارتقاء على ركام الصور الفاضحة لبلوغ سدة الربح، والتجارة بأخلاق الناس ومبادئهم.

والرقابة الذاتية سلوك حضاري ومهني، حين يغدو الناشر شريكاً في الوجبة الإعلامية المقدمة للجمهور، يحرص على نقائها وبعدها عن التجاوزات التي تصدم المجتمع وتمس أولوياته، مما يستلزم أن يكون هؤلاء الناشرون من المؤهلين المطلعين على ثقافة مجتمعهم، وما يساعد على الارتقاء بذائقة أفراده، دون الإسفاف بها أو المغامرة بالتجرؤ على ثوابت لا مناص من الالتزام بها، وأن يكون الناشرون من المبادرين إلى تبني مسؤولية نشر الرسالة الثقافية الراقية في المجتمع، ومحاربة جميع أشكال الابتذال في الكلمة أو الصورة.

ومع ذلك لا بد من هيئة رقابة واعية، تعي دورها الحقيقي في غربلة ما يتم تقديمه للمجتمع بفكر واع، حتى لا تقع في دائرة الرقابة العمياء معصوبة العينين التي لا ترى إلا ما تريده، ولا تفرض بصمتها الواعية على ما يمر من تحت يديها. وحين نطالب برقابة ناشطة، فإننا نطالب بصمام أمان اجتماعي يتابع ما تلقيه المطابع يومياً، ويلزم دور النشر بضوابط المجتمع وثوابته، مع احترامنا لجميع الثقافات التي تعيش في ربوع وطننا الكبير، ولكنها حين استفادت من فضاء الحرية الواسع الذي تتيحه الدولة، لا بد لها من أن تراعي ما يمس أمن المجتمع ويحافظ على أبنائه، لا أن تكون أداة مشرعة الأبواب وتدخل جميع البيوت لتحارب حصانة أسرنا.

وربما يقول قائل إن تشديد الرقابة على الصور الفاضحة في المطبوعات أصبح كمن يغرس باباً ويوصده في وسط صحراء ممتدة، فالفضاء الإلكتروني المفتوح على مصاريعه لم يعد يؤمن بفكرة الرقابة، ما دام الإنترنت في كل بيت والفضائيات غير الهادفة تتكاثر كالطفيليات ولا يسلم منها أحد، ونقول؛ إن هذا الكلام فيه مع الأسف شيء من الصحة، وإن كنا نشكر جهود القائمين على حراسة هذا القطاع، إلا أننا نؤكد أن انفلات الفضاء الإلكتروني لا يعني ترك الحبل على الغارب لمثل هذه الممارسات، حتى نعلنها في الشوارع على صفحات المجلات، لأنها تتحول إلى جرأة على حرمات المجتمع بكامله، بغض النظر عما إذا كان هناك من يبحث عن هذه الأشياء أو لا يجد ما يبرر كبحها.

المسألة تحتاج إلى الكثير من الاهتمام، والمزيد من تفعيل الأبعاد الأخلاقية المهنية، وتقديم البعد الاجتماعي على جميع الأرقام والحسابات والأرباح الشخصية.