يبدو أن كارثة الإسكندرية التي عاشتها مصر مع الدقائق الأولى من العام الجديد والتي أثارت الحزن والغضب داخل مصر وأثارت كل مشاعر القلق في العالم العربي على الشقيقة الكبرى التي مازالت، رغم كل شيء تمثل للعالم العربي القدرة على مواجهة التحديات والأمل في قهرها، يبدو أن هذه الكارثة التي مازالت آثارها تتفاعل لم تكن إلا الإشارة على أننا أمام عام صعب وخطير تمتد فيه التوترات بطول وعرض الوطن العربي، وتنفجر فيه الأوضاع خارج كل التوقعات، ويصبح النظام العربي كله في مفترق طرق خطير لن يكون عبوره سهلاً بالمرة .

كانت الأجندة العربية فيها من القضايا والتحديات الكثير، فلسطين وهي تواجه خطر تصفية قضيتها، والعراق وهو يخرج من الاحتلال إلى صراعات الهيمنة الخارجية على مصيره وأخطار التقسيم وحروب الطوائف، والسودان الذي وضع سابقة خطيرة بانفصال جنوبه الذي يهدد بأن يكون مقدمة لانقسامات أخرى، والصومال الذي خرج من الذاكرة العربية ليعيش مأساته في ظل صراعات القراصنة وعصابات الإرهاب، ثم اليمن العزيز الذي يكافح الإرهاب ومخاطر التقسيم ويواجه أوضاعاً اقتصادية وسياسية صعبة. كانت المشاعر العربية على حق، وكانت انفجارات الإسكندرية بالفعل نذير شؤم رغم الموقف العظيم الذي اجتمع فيه شعب مصر على رفض الإرهاب، ورغم فشل كل المحاولات الداخلية والخارجية المشبوهة لاستغلال الموقف في الضغط على القاهرة وابتزازها. وها نحن بعد أيام نشهد انفجار الموقف في الشقيقتين تونس والجزائر علي خلفية مطالب اجتماعية وصعوبات اقتصادية، ثم ها نحن نشهد وضع لبنان أمام المجهول بعد انهيار كل الجهود الداخلية والعربية لمواجهة الآثار المدمرة للقرار الظني المرتقب من المحكمة الدولية في قضية اغتيال الحريري بعد (فيتو) قاطع من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإصرار من جانب واشنطن على ضرب الاستقرار الهش في لبنان بدعوى التمسك بالعدالة التي لم تتمسك بها واشنطن في أي قضية عربية، من العراق إلى فلسطين، إلى السودان الذي حرصت على تقسيمه إلى مصر التي تمارس معها كل الضغوط لتشجيع التطرف وإشعال الفتنة الطائفية.

مستهدفون نحن في العالم العربي، ولكن أي جديد في ذلك ؟، إن الذين يسعون للهيمنة على المنطقة وثرواتها لم يغيروا أهدافهم من عقود، والذين أدمنوا استخدام (الفيتو) ضدنا كان أخطر (فيتو) أطلقوه هو رفض عروبة العرب والإصرار على عدم الاعتراف بالقومية العربية والمضي في الحرب معها حتى النهاية، ليس فقط باعتبارها خطراً على الكيان الصهيوني، وإنما لأنهم يرونها خطراً على مصالحهم هم الذين صنعوا إسرائيل ودعموها لتكون عوناً لهم في منع الوحدة العربية، لم يكن هذا موقفاً طارئاً بل كان منذ عشرات السنين وسيظل العشرات السنين. وإذا كان من ( يستهدفوننا ) قد ظلوا لسنوات يعملون في إطار منع أي لقاء عربي فإن ذلك كان في فترة الصعود العربي، أما بعد ذلك فقد انتقلوا لمرحلة تفكيك ما هو قائم أو تقسيم المقسم أصلاً، وتفتيت الدول العربية على أسس طائفية وعرقية ومذهبية. وتصريحات المسئولين الأمريكيين في الإدارة الأمريكية السابقة التي رافقت غزو العراق ثم حرب لبنان كانت تؤكد على حقيقة أن تدمير العراق هو الخطوة الأولى لتفكيك الوطن العربي كله. ومخططات مراكز الدراسات في أمريكا وفي إسرائيل أعدت الخرائط الجديدة للشرق الأوسط الجديد الذي تريده واشنطن وتتمناه تل أبيب وكل هذا منشور ومذاع.

نعم نحن (مستهدفون )، وليس في هذا جديد، ولكن أليست كل دول العالم تجد من يستهدفها ومن ينافسها أو يعاديها أو يستعد للحرب عليها، فلماذا ينجح أعداؤنا نحن فقط في تحقيق مخططاتهم ؟ ولماذا نجحنا نحن في مراحل سابقة في الصمود، ولماذا نجد أنفسنا الآن في هذا الوضع الذي يتحول فيه العالم العربي إلى سطح من صفيح ملتهب تجتاحه الأزمات، ويواجه مخاطر الانقسام والتقسيم، وتشتعل فيه حركات الاحتجاج، وتجد الاضطرابات الطائفية طريقها حتى لآخر الدول التي صمدت علي مر العصور لكل مؤامرات التفرقة بين أبنائها وقدمت مصر كمثال نادر للوحدة الوطنية بين أبناء الدولة الواحدة ؟ ولماذا خرجت فصائل التطرف من عندنا لتدمر الأوطان وتشوه الإسلام الذي كان علي الدوام رسالة للمحبة والسلام ؟

نستطيع بالطبع أن نكتفي بالحديث المكرر عن ( استهداف خارجي ) دون أن نتحدث عن مسئوليتنا نحن الذين قصرنا في تحصين الأوطان بالعدل والحرية، وتكاسلنا في مسيرة الإصلاح، وأهملنا العمل العربي المشترك لبناء القوة القادرة على حماية الوطن العربي والحفاظ علي الأمن القومي والاستغلال الأمثل لمواردنا لنزرع ما نحتاجه ونصنع ما نستخدمه ونبني قوتنا الاقتصادية التي نملك كل مقوماتها.

تستهدفنا قوى كبرى وإقليمية، ولكنها لا تنجح إلا حين يغيب العمل العربي المشترك، وحين يضعف الداخل، وحين تختل موازين القوى، وحين لا يتحقق الإصلاح المطلوب الذي يجعل من المواطن شريكاً في الحكم وينشر العدل الاجتماعي، ولا يترك الفساد يرعى في الأرض.

وتستهدفنا قوى الظلام والإرهاب، لكنها لا يمكن أن تحقق شيئاً إلا حين نمهد لها التربة بالانقسام الداخلي، وبضرب الطبقة الوسطى وبزيادة معاناة الفقراء، وبانهيار التعليم والصحة، وبتخلي الدولة عن مسئولياتها، وبتراجع الثقافة ، وبترك الساحة خالية أمام فكر متخلف وأمام اتجاهات متطرفة تستغل شباباً يعانى البطالة ويفتقد الأمل، فيهرب إلى اليأس أو إلى التطرف.

مستهدفون نحن .. نعم ، ولكن علينا أن نتحمل المسئولية لأننا لم نحصن أوطاننا كما ينبغي. وهاهو العالم العربي كله يعيش على سطح ملتهب وقابل للانفجار، وما حدث في الجزائر وتونس قابل للانتقال إلى أكثر من دولة ظروفها أسوأ، وما حدث في مصر في انفجار الكنيسة نذير شؤم لأنه يضرب قدس الأقداس بالنسبة للدولة العربية الأكبر وهو وحدتها الوطنية وسوف تكون كارثة إذا اكتفينا بالحلول الأمنية فقط، أو بالحديث عن التآمر الخارجي فقط، المراجعة الشاملة مطلوبة، والتغييرات المطلوبة لابد أن تحدث، والإصلاح الذي طال انتظاره لابد أن يتحقق، والتعاون العربي لم يكن ضرورياً في كل المجالات كما هو اليوم، حيث الخطر لا يستثني أحداً، والأزمة التي تواجهها الأقطار العربية تفرض طريقاً من اثنين: إما الحل العربي المشترك أو الانجرار إلى فخ التقسيم أو الانهيار الداخلي.