خلال مجريات العملية التفاوضية المطولة بين الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية» الجنوبية، والتي انتهت إلى إبرام اتفاقية نيفاشا للسلام في عام ‬2005، كان من الواضح أن الولايات المتحدة ـ راعية العملية ـ تفضل خيار الوحدة على خيار الانفصال. كانت الرؤية الأميركية مبنية على فرضية أنه من شأن شراكة سلطوية بين حزب «المؤتمر الوطني» الشمالي، والحركة الجنوبية ذات التوجه العدائي للإسلام باسم العلمانية، أن يكبح جماح التوجه الإسلامي للشريك الشمالي.

الآن ومنذ نحو عامين، قامت واشنطن بتغيير رؤيتها بنسبة مائة وثمانين درجة، والتحول نحو دعم دعوة الانفصال، بعد أن أثبت التطبيق العملي فشل الحركة الجنوبية في مسعاها لتغيير، أو على الأقل كبح التوجه الإسلامي للسلطة المركزية.

فهل يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة قد تخلت نهائيا عن هدفها النهائي؟

السؤال مطروح على خلفية التوجه الجنوبي شبه المؤكد، نحو الاستقلال عن الشمال بإنشاء دولة جنوبية كاملة السيادة، جنبا إلى جنب مع دولة شمالية. ومن ثم يبرز سؤال آخر ذو صلة مباشرة، ألا وهو: هل تدخل الأجندة الأميركية على خط العلاقة الثنائية بين الدولتين؟ وهل تستجيب الدولة الجنوبية للأجندة الأميركية؟

عشية انطلاق عملية الاقتراح لاستفتاء أهل الجنوب، وسط مؤشرات قوية ومتصاعدة على أن الانفصال آتٍ لا ريب فيه، أدلى رئيس الجنوب سلفاكير ميارديت بتصريحات ودية، مفادها أن الدولة الجنوبية المرتقبة ستكون حريصة كل الحرص على إنشاء علاقة طيبة ومتينة مع دولة الشمال.

وقال الجنرال سلفاكير، إن حكومة الجنوب ترى ألا بديل عن التعايش السلمي مع الشمال. وأكد: اليوم لا عودة إلى الحرب. وظاهريا يأتي هذا القول الفصل بمثابة تجاوب محمود مع زيارة الرئيس البشير الأخيرة إلى العاصمة الجنوبية جوبا، وتعهده القاطع أمام نواب البرلمان الجنوبي، ليس فقط بإنشاء علاقة جيدة بين الدولتين، وإنما أيضا باستعداد دولة الشمال لتقديم كل ما يطلب منها من مساعدات للجنوب، في مجالات الدعم البشري الفني والاقتصادي.

هناك مجالات عدة للتعاون الاقتصادي بين الدولتين، وأهمها قطاع الإنتاج الزراعي بما لديهما من وفرة في المياه والأراضي الصالحة. وفي عالم تتصاعد فيه أسعار المنتجات الغذائية، فإن بوسع الدولتين أن تتشاركا في مشروعات حيوية لإنتاج الشاي والبن والفواكه، بالإضافة إلى صناعة الأخشاب. الجنوب بوجه عام، يحتاج لأن يبدأ من الصفر تقريبا، لإقامة بنى تحتية في كافة القطاعات. وبما أن أهم هذه القطاعات هي البنى التحتية البشرية، فإن بوسع الشمال أن يمد الجنوب بكوادر إما للعمل المباشر أو لإنشاء برامج تدريب.

وبطبيعة الحال فإن من المتاح للدولتين التعاون في مجال النفط، من خلال استثمارات مشتركة من دول مثل الصين والهند وماليزيا، من أجل التوسع في إنتاج النفط الخام والغاز، واستكشاف موارد معدنية أخرى. لكن كل هذه الطموحات مجرد مشروعات نظرية، إذا سمحت دولة الجنوب لنفسها بالتجاوب العملي مع الأجندة الأميركية. فما هي هذه الأجندة؟

«مكافحة الإرهاب» هي الأولوية العليا والوحيدة للسياسة الدولية الأميركية تجاه دول العالم الثالث عموما، ولن تكون دولة الجنوب السوداني استثناءً من هذه القاعدة. ومما لا شك فيه أن الإدارة الأميركية، إذ هي تتعجل انفصال الجنوب، فإنها أعدت مخططا مبرمجا لتحويل الدولة الجديدة إلى قاعدة عسكرية واستخباراتية، لزعزعة الاستقرار الاقتصادي والأمني للدولة الشمالية.

على هذا الأساس، فإن المخطط الأميركي ينطلق من الاستراتيجية الأميركية المعتمدة تجاه القارة الإفريقية جنوب الصحراء، في تضامن كامل مع الاستراتيجية الإسرائيلية.

وبناء على هذه الاستراتيجية المشتركة، فإن الولايات المتحدة تسعى لاختيار دولة إفريقية لتكون مقرا لقيادة عسكرية مركزية. وبما أن واشنطن لم تجد حتى الآن دولة إفريقية على استعداد لاستضافة هذه القيادة، فإنه ليس من المستبعد أن يلقى هذا المشروع الأميركي ترحيبا من الدولة الجنوبية الجديدة. على طول الخط، ظلت الولايات المتحدة منحازة لجنوب السودان ضد شماله. ففي المرحلة السابقة لعملية السلام، كانت قوات الحركة الشعبية تتلقى دعما من الخزينة الأميركية لتمويل مشترياتها من السلاح، وطوال مرحلة التفاوض حول السلام، كان الضغط الدبلوماسي الأميركي موجها نحو الوفد الحكومي، وخلال مرحلة تطبيق اتفاقية السلام صار التحيز الأميركي للحركة علنياً. استنادا إلى هذا كله، ليس من المنتظر أن تكون العلاقة الثنائية بين دولة الجنوب المرتقبة ودولة الشمال، على ما يرام.

هذه هي الحقيقة التي ينبغي على الشمال أن يضعها في الاعتبار، لرسم دبلوماسية جديدة.