لسنا بحاجة إلى مزيد أدلة على حرص قيادتنا الرشيدة على تمكين ثوابت الوطن ورفعة شأن أبنائه، فالواقع يشهد على الابتكار المتوالي الذي لا يفتر، لكل ما يضمن التناغم والتوازن بين مسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها البلاد، والثوابت الوطنية العامة التي تعزز مصالح الوطن وأبنائه، ومبادرات الحكومة المشكورة تترجم عمق هاجس تأمين المستقبل الآمن لأبناء الوطن بما يجسّد رؤية القيادة، وفرض الحضور الوطني في جميع مرافق النهضة والتنمية، وإثبات الهوية الأصيلة المعبرة عن جوهر أبناء الوطن في شتى مناحي الحياة.

والانشغال بموضوع توازن التركيبة السكانية، أو تمكين المواطنين من مفاتيح النهضة على اختلاف ركائزها ومنطلقاتها، والاقتصادية خاصة وحاجات الوطن منها، أمر تفرضه شمولية الرؤية إلى المستقبل، والاحتفاظ بجوهر البناء الحضاري للدولة وركيزتها الأساسية التي ستبقى ما بقي الوطن، ألا وهي ابن الإمارات الذي يحمل من إكسير الولاء والوفاء لتراب الوطن، كنزاً وفيراً وجوهراً أصيلاً لا تغيره ولا تؤثر على ولائه العوارض مهما لانت أو قست، ولا تتحكم في التماهي في الوطن، سواء أقبلت الحياة وأطراف الرخاء أو أدبرت.

والنظر إلى تعزيز الحضور الوطني في أطر الحياة الممتدة في طول الوطن وعرضه، منهج رعته القيادة منذ التأسيس، وأنار سبله القادة بحكمة الباحثين عن حقيقة النهوض الحضاري وجوهره الأصيل، ألا وهو الإنسان. فالبناء في أبناء الوطن ثقافة وأصالة وتنمية ووعياً، أولى من الاجتهاد في مفردات التقدم المدني والعمران على اختلاف مقاصده، مع أننا لا ننكر أبداً العلاقة الجدلية بين بناء الإنسان وتوفير سبل التقدم والحضارة بين يديه، فكلاهما يخدم الآخر نمواً وتأصيلاً وتطويراً واكتمالاً.

ما أثار حفيظة هذا التأسيس لهذه المسلمات، هو ما أثمر عنه مؤخراً اجتماع المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية الثالث، الذي عقد برئاسة الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية رئيس المجلس، حيث كانت رسالة الاجتماع واضحة مباشرة، لا تقبل التأويل أو المماحكة في الدلالات والتفسيرات، وذلك أنها تقوم على مبدأ بسيط يقوم على السعي إلى تمكين المواطنين من مفاتيح الاقتصاد، من خلال زيادة مساهماتهم في وظائف القطاع الخاص، ورفع مشاركتهم في إنشاء الشركات والأعمال الخاصة وغيرها، عبر جملة من المبادرات التي تسهم في تحقيق أهداف المجلس السكانية، وذلك من خلال استحداث فرص عمل جديدة للمواطنين، وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة في بعض المهن الهامشية ذات المهارات المنخفضة، أو تفعيل منظومة العمل المؤقت التي تتيح الاستفادة من الكفاءات الموجودة التي لديها القدرة على العمل الإضافي، وإطلاق مواهبها ومبادراتها إلى فضاء سوق العمل، وزيادة حضور المواطن في نواحي التنمية والعمل والإدارة وغيرها.

ولكن دعونا نقف مع أنفسنا نحن المواطنين، وقفة صدق أمام هذا التوجه النبيل العظيم الذي ينظر إلى المستقبل من نافذة الوطن، ولا يرى في الأفق البعيد إلا ما يحقق أحلام الوطن وطموحاته.

هذه الوقفة تترجم فلسفة التمكين في أولوياتنا، وهل بلغت الدرجة التي نرى فيها التناغم بين طرفي المعادلة الاجتماعية المنشودة، وهما الدولة والمواطن، أو بمعنى آخر؛ هل تجد دعوات تمكين المواطن سواعد تقول ها أنا ذا؟

فالمبادرات مهما كثرت وتعددت وتناولت شتى التوجهات، لن تكون حقيقة على أرض الواقع إذا كان بعض الشباب لا يزال يهمس بصوت مسموع أو خافت، أنه يفضل البطالة والجلوس في البيت وممارسة هواية صناعة الأحلام والأوهام، على العمل في أي وظيفة! وحين نقول أي وظيفة، فإننا نعني تلك التي أوصى بها المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية، وهي بعض المهن الهامشية ذات المهارات المنخفضة، التي تحمل المواطن المسؤولية الذاتية بأن يسعى إلى التفوق والتميز، بدءاً من المدرسة إلى الجامعة وصولاً إلى الحياة العملية، حتى يكون جاهزاً لتولي ما يسند إليه بجدارة، وليكون في ساحات العمل نموذجاً مكافحاً يثبت نفسه وأهليته وكفاءته.

وعلى الطرف المقابل للمعادلة، فلن تصل أحلام التمكين إلى درجة التفسير الحقيقي ما لم يدعم التوجه نحو التمكين نشر ثقافة هذا المبدأ وتعميمه، والدعوة إليه كجزء أصيل من الهوية والحفاظ على الوطن ومكتسباته، وتكثيف برامج التدريب والتأهيل أمام الشباب ليكونوا على مستوى حاجة الوطن لهم، وكما تحتمه متطلبات النهضة والحفاظ على المكتسبات والمنجزات.