رغم كل شيء، ما زالت مصر قادرة على المقاومة. الضربة التي تلقتها في حادث الإسكندرية البشع، لم تفتح باب الفتنة كما أراد من خطط ومن نفذ هذه الجريمة. ورغم حماقات صغيرة من قلة أعماها الغضب، أو من شباب يأخذه الحماس إلى حيث لا ينبغي، أو من سياسيين على المعاش أو تحت التمرين لا يعرفون كيف يتصرفون مع المواقف الكبيرة.. رغم ذلك فإن شعب مصر العظيم ـ مع ما يتحمله من أعباء وما يواجهه من مشاكل وتحديات ـ استجمع مخزونه التاريخي الهائل لكي يواجه الخطر كتلة واحدة.. وفي لحظة واحدة أدرك الجميع أنهم جميعاً مستهدفون، وأن المصاب واحد، والعدو مشترك. ولم يفرق الحزن بين مسلم ومسيحي، ولم يستثنِ الغضب أحداً على ما حدث.

نعم.. مصر ما زالت قادرة على المقاومة، ولكن القصة لم تنته، والخطر سيظل قائماً، وحالة الاستنفار التي أعقبت حادث الإسكندرية لا ينبغي أن تكون حالة مؤقتة، وقدرة الشعب المصري على احتواء الأزمة ومنعها من أن تتحول لكارثة، لا ينبغي أن تعمينا عن القراءة الدقيقة للموقف، لندرك أننا أمام مرحلة هامة من الصراع الذي لا يستهدف مصر فقط، بل الأمة العربية كلها. وأظن أن الرسالة وصلت، وأن الملايين في كل أنحاء الوطن العربي قد قرأوها، وأن مشاعر القلق والترقب التي أبدتها تلك الملايين، كانت تعبيراً حقيقياً يتجاوز التضامن والعزاء، ويدرك أن سقوط مصر في دوامة الفتنة سيكون الكارثة الأكبر التي لن ينجو قطر عربي من آثارها.

ولا نريد أن نستبق نتائج التحقيقات، ولكن أيا كانت اليد الآثمة التي نفذت جريمة الإسكندرية، فإن علينا أن نضع الجريمة في مكانها من مخططات لم تعد خافية لتفكيك الوطن العربي كله، وجره إلى حروب الطوائف والأعراق والأديان، لكي يعاد رسم خريطته بما يلائم القوى الأخرى، وما يحقق لها الهيمنة الكاملة على العالم العربي ونهب ثرواته ومصادرة كل آماله في النهضة والتقدم.

إن ما بدأ بغزو العراق وتدميره وإغراقه في الحروب الأهلية وإعداده للتقسيم، كان النموذج الذي أعلنت إدارة الرئيس الأميركي السابق بوش الابن أنه سيجري تعميمه في المنطقة، وسياسة «الفوضى الخلاقة» التي بشرت بها هذه الإدارة، كانت الطريق لإغراق العالم العربي في الحروب الداخلية التي تنتهي بتفكيك دول وتقسيمها. وإذا كانت السنوات الماضية قد شهدت تطبيق هذه السياسة في «الأطراف»، وانتقلت بها من العراق إلى السودان وإلى اليمن، مع مشروعات جاهزة للبنان وسوريا، وإبقاء انقسام الضفة وغزة.. فإننا الآن أمام انتقال المخطط إلى قلب القلب في مصر، التي يجري حصارها بالمشاكل، وإشغالها بما يجري في السودان وما سيتبعه من مخاطر، خاصة مع تفجير ملف مياه النيل بما يشكله من تهديد خطير لمصر، وكذلك باحتمالات انفجار الموقف في الملف الفلسطيني بحرب إسرائيلية جديدة، لكي يتم تفجير الملف الطائفي بهدف ضرب الوحدة الوطنية، سلاح مصر الباقي والأهم، والذي واجه تحديات خطيرة في السنوات الماضية في ظل تصاعد تيارات التطرف الديني واستمرار الشحن الطائفي من الجانبين، واستغلال الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، وكذلك استغلال توقف الإصلاح السياسي وتراجع وجود الأحزاب في الشارع، لتصبح المؤسسات الدينية هي البديل أمام شباب يعاني من ظروف صعبة، ولا يجمعه مشروع قومي يبعث الأمل ويترجم حجم مصر وما تملكه من إمكانيات، وما تستطيع أن تحققه في ظروف مواتية.

وإذا كان اليمين الصهيوني الأميركي، قد صعّد في السنوات الأخيرة من محاولات الضغط على مصر باستخدام كارت الأقباط المصريين، ومحرضاً للموجودين منهم في أميركا لإثارة الفتنة، وناشراً مزاعم عن «مذابح» لم تحدث للأقباط، وملوّحاً باستخدام سلاح المعونة الأميركية لمصر للضغط عليها.. فإن إسرائيل من جانبها لم تخفِ يوماً أن إضعاف مصر هو سياسة ثابتة لها. ومع ذلك فقد كان لافتاً أن يتم تسريب ما جاء في «خطبة الوداع» لرئيس المخابرات الإسرائيلية السابق الجنرال يادلين، وأن يسمح له باختراق كل قواعد السرية ليقول «إن مصر هي الملعب الأكبر لنشاط المخابرات الإسرائيلية منذ ‬1979»، ولكي يؤكد أن المخابرات الإسرائيلية نجحت في «تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائما».

هل هي صدفة أن يتم ذلك قبل شهرين فقط؟ وهل كانت الرسالة موجهة للقاهرة لكي تدرك أن إسرائيل تستطيع أن تلعب في الداخل بأكثر من عمليات التجسس التي لم تتوقف؟ ولماذا هذا التوافق الذي يجعلنا نطالع بعد أيام، أن ذلك البيان المنسوب لتنظيم «القاعدة» في العراق، والذي تذكر فجأة أن في مصر أقباطاً ينبغي «الجهاد» ضدهم كما يجري «الجهاد» ضد المسيحيين في العراق؟!

إننا لا نريد ـ مرة أخرى ـ أن نستبق نتائج التحقيقات في حادث الإسكندرية، ولكن في كل الأحوال وأياً كانت الجهة التي سيتوجه لها الاتهام، فإننا أمام مرحلة جديدة تنتقل فيها محاولات زرع الفتنة وتقسيم الأوطان إلى قلب العالم العربي، وتتصدى مصر للمحاولة، رغم كل الظروف التي أشرنا إليها. والمهمة ليست سهلة، وهي تقتضي، قبل كل شيء، تحصين الجبهة الداخلية، وحل القضايا المتراكمة في ملف الوحدة الوطنية، ومراجعة شاملة لسياسات التعليم والثقافة، وتغييرات مطلوبة في سياسات اقتصادية خلقت ظروفاً صعبة أمام الشباب، وخطوات ملموسة على طريق الإصلاح السياسي، وتفعيلاً لدور مصر العربي، يعيد التوازن المفقود في المنطقة.

وقبل أيام فقط، كان موقع «ويكيليكس» يكشف عن وثيقة يعبر فيها المسؤولون العسكريون الأميركيون عن إحباطهم من الجيش المصري، لأن قادته ما زالوا يصرون على استراتيجية تعتبر إسرائيل هي العدو، وتعطي الأولوية للدفاع عن مصر والحفاظ على جيش قوي لمواجهة الجيوش الأخرى في المنطقة، ويرفضون الضغوط الأميركية لتعديل هذه الاستراتيجية، لكي تكون أولوية الجيش المصري هي مواجهة «الإرهاب» وتهريب الأسلحة لغزة، ودعم السياسة الأميركية في المنطقة!

بكل وضوح.. «الإرهاب» مطلوب ليصرف النظر عن الخطر الإسرائيلي، ولكي يفجر الأوطان من الداخل ضمن سياسة «الفوضى الخلاقة». ومصر الآن هي الهدف، وهزيمتها هي «الجائزة الكبرى» التي ينتظرها أعداء الأمة، وانتصارها يفتح الباب لإنهاء مسلسل التراجع العربي، ويوقف مخططات التفكيك والانقسام.. والموقف، بلا شك، يتطلب من كل القوى العربية، ما هو أكثر من مشاعر التضامن أو برقيات العزاء!