مع دعوة بعض أحزاب المعارضة في شمال السودان إلى إسقاط الحكومة الحالية التي يهيمن عليها حزب «المؤتمر الوطني»، فإن من حق الشعب السوداني أن يسأل قيادات هذه الأحزاب: ما هو برنامجكم؟ وهل لديكم برنامج أصلاً؟!
تحرك المعارضة يأتي على خلفية التطورات المتوقعة لمرحلة ما بعد استفتاء الجنوب، وفرضية أن الانفصال واقع لا محالة كخيار مصيري للشعب الجنوبي، بما يؤدي إلى نشوء وضع جديد تماما يتجسد في انقسام السودان إلى دولتين.. جنوبية وشمالية. وفي سياق تحركها، تحمِّل المعارضة حكومة المؤتمر الوطني المسؤولية التاريخية عن انفصال الجنوب، وبالتالي تدعو إلى الإطاحة بها لتحل محلها حكومة قومية انتقالية. وفي السياق، فإن حكومة المؤتمر الوطني متهمة بالتفريط في وحدة السودان. والسؤال الذي يطرح هو: إلى أي مدى يمكن أن يعتبر موقف المعارضة صائباً؟
إذا أخذنا بفرضية أن الاستفتاء سينتهي إلى انفصال حتمي، فإن الدولة الشمالية تدخل تلقائياً مرحلة جديدة تماماً تتطلب استحداث إطار دستوري جديد. دولة ما قبل الاستفتاء هي «جمهورية السودان»، وإذا انفصل الجنوب كدولة مستقلة، فإنه لن يعود هناك وجود لجمهورية السودان بحدودها الدولية الراهنة، السائدة منذ إعلان الاستقلال الوطني في عام 1956، وعليه فإن الدولة الشمالية الجديدة ستكون بحاجة إلى ترتيب دستوري جديد. إلى هذا الحد فإن مطلب المعارضة باستحداث دستور جديد للدولة الشمالية مطلب صائب، على الأقل نظرياً، ولكن ما بين ظهور نتيجة استفتاء التاسع من يناير الجاري (إذا أسفر عن انتصار خيار الانفصال كما هو متوقع)، وإعلان قيام الدولة الجنوبية المستقلة وتبلور دولة الشمال رسميا، ستكون هناك فترة انتقالية لمدى ستة شهور ليتفاوض خلالها الجانبان الجنوبي والشمالي حول القضايا التفصيلية العالقة.
هذه الفترة الانتقالية ستكون ذروة التعارك السياسي بين الجانبين. والسؤال التالي الذي يُطرح إذن، هو: ماذا سيكون موقف أحزاب المعارضة تجاه هذه المعركة السياسية المصيرية الكبرى؟
أبرز هذه القضايا العالقة هي:
؟ ترسيم الحدود بين دولتي الشمال والجنوب، علما بأن «الحركة الشعبية» الحاكمة في الجنوب تلمح بضم منطقتي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، اللتين تقعان داخل الرقعة الأرضية للشمال.
؟ تحديد مصير منطقة أبيي التي تلمح الحركة بالاستيلاء عليها بالقوة.
؟ اقتسام موارد النفط.
؟ الجنسية: ومعنى ذلك، هل يمنح الجنوبيون المقيمون في الشمال الجنسية الشمالية؟ وهل تشمل الجنسية في الدولة الجنوبية أولئك الشماليين المقيمين هناك؟
؟ الديون الخارجية: أقساط هذه الديون ظلت تسددها جمهورية السودان الكبرى، فهل تواصل الدولة الجنوبية الجديدة المساهمة في السداد؟
لقد اتفق الطرفان الشمالي والجنوبي على ترحيل هذه القضايا الشائكة إلى ما بعد موعد الاستفتاء، بعد أن فشلا في التوصل إلى حلول توافقية. وإذن، فإن مرحلة ما بعد الاستفتاء سوف تشهد صراعاً سياسياً مصيرياً، فماذا سيكون موقف قادة المعارضة الشماليين؟
إنها معركة لن تكون بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية الجنوبية، وإنما بين الشمال كشعب ودولة، والجنوب كشعب ودولة، فهل تتصرف قيادات المعارضة الشمالية في هذه الحالة انطلاقاً من مسؤولية وطنية تجاه مصالح الوطن الشمالي وشعبه، أم انطلاقاً من عوامل الكيد الحزبي للحكومة الشمالية؟
الآن تدعو المعارضة إلى تشكيل حكومة انتقالية قومية من كل الأحزاب، لكنها لم تعرض أي برنامج مفصل لمهام تلك الحكومة بما يثبت أن لديها رؤى واضحة تجاه القضايا العالقة. ومما يثير القلق أنها تبدو وكأنها غير مهتمة بتلك القضايا المصيرية، بقدر اهتمامها بإسقاط الحكومة كهدف في حد ذاته.
وفي هذا السياق فإن مما يثير العجب، لجوء المعارضة إلى الكذب التاريخي باتهام الحكومة بأنها تدعم الدعوة إلى خيار الانفصال.
إن خيار الانفصال ينبثق من مبدأ حق تقرير المصير لأهل الجنوب.. وهو مبدأ منصوص عليه بصراحة في وثيقة اتفاق نيفاشا للسلام، بعد أن أصرت عليه الحركة الجنوبية في سياق العملية التفاوضية التي أثمرت الاتفاق. وفي هذا الصدد يفيدنا التاريخ القريب، بأن حق تقرير المصير ظل المطلب الرئيسي للحركة الجنوبية منذ مفاوضات «الإيغاد»، التي جرت بين الحركة والحكومة خلال النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي. آنذاك دخلت أحزاب المعارضة الشمالية في تحالف عريض باسم «التجمع الوطني الديمقراطي»، وعلى أساس وثيقة جماعية للتجمع أطلق عليها «ميثاق القضايا المصيرية»، تضمنت نصاً على إعطاء أهل الجنوب حق تقرير المصير. مع ذلك، نقول إن حساسية المرحلة الراهنة وخطورتها لفترة ما بعد الاستفتاء، لا تتحمل تبادل الاتهامات بين القوى السياسية الشمالية. وبناء على ذلك، نقول إن قيام حكومة قومية يجب أن يسبقه مؤتمر حوار يجمع كافة الأحزاب الشمالية، من أجل التوافق على برنامج وطني مفصل، وتشكيل جبهة وطنية شمالية موحدة، لخوض المعركة الدبلوماسية الكبرى المرتقبة بين الشمال والجنوب.