في سياق المتغيرات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية التي يشهدها العالم المعاصر، تبنت الأمم المتحدة وأخذت تروج لمفاهيم واستراتجيات جديدة لمساعدة دول العالم على التعاطي مع أطروحات «التنمية المستدامة»، وهو مفهوم تجاوز ما كان يعرف بالتنمية الاجتماعية، لأن الاستدامة تشير إلى الديمومة والاستمرارية في الفعل التنموي، وهكذا أصبحت التنمية المستدامة تدعو إلى توسيع الخيارات أمام أفراد المجتمع، ليساهموا بفعالية في دفع وتحريك عجلة التنمية بشقيها الاقتصادي والاجتماعي، ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر شراكة استراتيجية بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، ويترافق مع ذلك ضرورة إدخال القطاع الخاص كشريك استراتيجي. في صيف عام 2005 تبنت دولة الإمارات العربية المتحدة، ولأول مرة في المنطقة، نهجا يدعو كافة الوزارات ومؤسسات الدولة للسير في اتجاه خارطة طريق جديدة، متمثلة في استراتيجية دولة الإمارات التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «حفظه الله ورعاه»، مما حتم على كافة المؤسسات والجهات الرسمية الأخذ بأسس التخطيط الاستراتيجي. عندئذ تابعنا الجهود التي بذلتها الأمانة العامة لمجلس الوزراء، للتعريف بالكيفية التي تسترشد بها مؤسسات الدولة لصياغة خططها المستقبلية، والخطوات التي تساعدها على ذلك، ونعني بها صياغة الرؤى والوسائل والغايات، وكيفية تحديد عوامل النجاح ومؤشرات الأداء وإيجاد البدائل، باستخدام مصفوفة (Tows)، وهو جهد لا بد أن تشكر عليه الأمانة العامة. المعروف أن هناك مقاربات توضح لنا الفرق بين التخطيط الاستراتيجي والإدارة الاستراتيجية، ذلك أن التخطيط الاستراتيجي كما يرى أساتذة علم الإدارة، ينبثق عن الإدارة الاستراتيجية، ومن ثم فهو يشتمل على الحقبة الأولى والمرحلة التالية من الإدارة الاستراتيجية، لأن الإدارة الاستراتيجية تتسم بالشمول، فهي تغطي مجموعة من الفعاليات والأنشطة والقرارات التي يتحدد معها أداء الوزارة أو المؤسسة على المدى البعيد، وكما هو معلوم فإن الإدارة الاستراتيجية تشتمل على خمس مراحل، وهي: 1 ــ مسح بيئة المؤسسة. 2 ــ صياغة الاستراتيجية. 3 ــ آليات التنفيذ. 4 ــ الرقابة والتقييم والمتابعة للأداء المؤسسي. 5 ــ الدروس المستفادة.
تأسيساً على ما تقدم، تلزم الإشارة إلى أن كلا من الإدارة الاستراتيجية والتخطيط الاستراتيجي، يتكاملان مع الخطة الاستراتيجية، وهي مشروع تنموي حضاري ذو أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وبيئية، تتم صياغتها لتعبر عن توجهات الدولة التي تطرح لمدى زمني طويل.. كأن تكون خطة عشرية أو خطة خمسية. والمعلوم أن أي خطة استراتيجية لابد أن تقترن بالمنهجية العلمية والقواعد الإدارية والفنية، ويكون من أهم سماتها ما يلي:
ـــ أنها جزء لا يتجزأ من العملية التخطيطية.
ـــ أن تشتمل على رؤية ورسالة وغايات ومؤشرات أداء، بما في ذلك سياسة المؤسسة.
ـــ وضع الكيفية (الآلية) التي تحقق الأهداف في المدى الزمني للخطة.
ـــ كتابة تقارير الرقابة والمتابعة والتقييم الدوري للخطة.
ويميل بعض المنظمات الدولية، كالبرنامج الإنمائي للأمم المتحده (unop)، إلى ضرورة تنفيذ الخطط الاستراتيجية التمهيدية طويلة المدى على مراحل، لأن التجارب أوضحت أن تبني الدول النامية للخطط الاستراتيجية التنموية طويلة المدى، كان سببا في عدم تحقيق غايات التنمية الاجتماعية، وقد أكدت على ذلك مداولات قمة التنمية الاجتماعية التي انعقدت في «كوبنهاغن» صيف عام ,2005. مما جعل البديل الأمثل هو تبني خطط تشغيلية. فالخطة التشغيلية خطة قصيرة المدى، مدتها سنة أو اثنتان على الأكثر، لعل مما يميزها عن الخطة طويلة المدى أن من مقومتها الآتي:
ـــ تعتبر جزءاً لا يتجزأ من العملية التخطيطية.
ـــ تبنى عليها الموازنة وطرق الإنفاق على الخطة قصيرة المدى.
ـــ تساعد على تسهيل متابعة سير تنفيذ المشاريع.
ـــ تعد أفضل وسيلة لضمان تنفيذ «الخطة طويلة المدى».
في ظني أن معظم، إن لم يكن كل الوزارات ومؤسسات الدولة سارعت بإنشاء إدارات أو «أقسام للتخطيط الاستراتيجي»، حتى يتسنى لها الالتزام والاقتداء باستراتيجية الدولة التي أشرنا إليها، ويتطلب ذلك تطوير قطاع الموارد البشرية لأنه المسؤول عن نشر «الثقافه الاستراتيجية». فالتخطيط الاستراتيجي كمفهوم، يحتاج لتحويله إلى واقع ملموس، ليصبح منهجاً وأسلوب حياة ينظم شؤون أفراد المجتمع، أي أن تسير على هداه الأسرة والمدرسة والجمعيات والمؤسسات الأهلية.. وذات النفع العام.