ما الذي حدث لكي تغير إسرائيل موقفها من الملف النووي الإيراني بصورة مفاجئة، وعلى غير كل التوقعات التي كانت تنتظر التصعيد من جانب تل أبيب، لأسباب عديدة في مقدمتها صرف الأنظار عن فشل المحاولة السياسية للرئيس أوباما للتوصل إلى «تسوية تاريخية» للصراع العربي/ الإسرائيلي، بسبب الموقف المتعنت لحكومة إسرائيل، والتي قد ترى في اندلاع حرب جديدة طريقاً للهرب من أي استحقاقات للسلام، وفرصة لتثبيت الأمر الواقع على الأرض بالتوسع في الاستيطان في الأرض المحتلة، واستكمال مخططات تهويد القدس، والتي ترى أيضاً في سيطرة اللوبي اليهودي على الكونغرس الأميركي طريقاً لفرض «أجندة» تتلاءم مع السياسة التي سعت منذ البداية إلى تضخيم الخطر الإيراني، وحث إدارة أوباما على اعتباره الأولوية الأولى لسياستها في المنطقة، وبالتالي تأجيل أي حديث عن حل مطلوب للقضية الفلسطينية؟!

هكذا كانت كل الجهود الإسرائيلية تسير نحو تضخيم الخطر الإيراني، وضرورة تحرك الولايات المتحدة لضرب أي فرصة لامتلاك إيران للسلاح النووي، والتلويح بإمكانية التحرك الإسرائيلي المنفرد إذا لم تتحرك أميركا..

الآن يتغير كل ذلك.. ويأتي الإقرار الإسرائيلي بأن «إيران لن تتمكن من امتلاك السلاح النووي قبل ثلاث سنوات»، وبأن «برنامجها النووي يواجه العديد من التحديات والصعوبات التكنولوجية، ولذلك فإنه لم ينجح»!

وأهمية هذا الخطاب الجديد، أنه لا يأتي من مسؤول لا يفهم في قضايا الأمن، أو من وزير علاقته الوحيدة بالأمن أنه كان «حارس أمن» في الكباريهات، مثل وزير الخارجية ليبرمان.. بل يأتي من وزير الشؤون الاستراتيجية «موشيه يعالون»، بكل خبرته كقائد سابق لجيش إسرائيل لا يمكن اتهامه بالجهل بالشؤون العسكرية ولا بـ«الاعتدال».. لا سمح الله!

وبالطبع، لا يمكن أن تكون التقديرات الاستراتيجية قد تغيرت بين يوم وليله! ولا يمكن أن يكون اغتيال عالمين أو ثلاثة من علماء الذرة الإيرانيين، هو السبب في انتقال الملف النووي الإيراني من موقع «الخطر العاجل»، إلى موقع «الخطر المؤجل» ولثلاث سنوات مرة واحدة! وأيضا لا يمكن أن يكون السبب هو تعطل أجهزة كمبيوتر إيرانية هاجمتها فيروسات خطيرة، وألقيت الاتهامات ـ من جانب طهران ـ عن هذا الهجوم على أميركا وإسرائيل.

السبب في هذه الحالة، إما أن يكون هجوما عسكريا قد دمر منشآت إيرانية نووية وعطل البرنامج النووي الإيراني، وهو أمر لم يحدث. وإما أن يكون قرارا إسرائيليا بوقف التصعيد ضد إيران، وبالتالي التسليم بالتقديرات الأميركية عن المدى الذي وصل إليه البرنامج الإيراني، وهي التقديرات التي ترى أن أمامها بعض الوقت للتعامل مع هذا الملف قبل أن يصل لمرحلة الخطر. وهنا يكون السؤال: لماذا قررت إسرائيل أن «تقتنع» الآن بما كانت ترفض إعلان «اقتناعها» به، رغم أنها كانت تعرف الحقيقة منذ البداية؟!

هل هي «رسالة طمأنة» لواشنطن بأن إسرائيل لن تبادر بالتصرف منفردة، وإشعال حرب تقود المنطقة لكارثة، وهو ما كان يهدد به بعض مهاويس اليمين الإسرائيلي؟.. لا أظن ذلك، فتل أبيب تعرف جيداً الخطوط الحمراء في علاقتها بالإدارة الأمريكية مهما كانت قوة اللوبي اليهودي الأمريكي، وتدرك أنه ليس بمقدورها الدخول في مواجهة مع طهران ـ بكل احتمالاتها وآثارها ـ دون إذن ودعم (بل ومشاركة) الولايات المتحدة، التي تعرف أن مثل هذه المواجهة ـ لو حدثت ـ ستقود المنطقة كلها إلى كارثة ستمتد آثارها إلى العالم أجمع.

من ناحية أخرى، هل يمكن أن تكون رسالة الطمأنة موجهة إلى طهران بتوقف الضغوط الإسرائيلية (وبالتالي ضغوط اللوبي الصهيوني الأميركي) على إدارة أوباما لاعتماد الحل العسكري مع إيران، بدلا من السياسة الحالية التي تفاوض وتضغط وتفرض العقوبات لتغيير الموقف الإيراني، وترى أن ذلك يكفي في هذه المرحلة، وأن الوقت ما زال مبكراً للحديث عن التدخل العسكري الذي لا ترحب به إدارة أوباما وقيادات الجيش الأميركي وتعرف آثاره المدمرة؟ والأهم: هل تكون هذه الرسالة الإسرائيلية الموجهة لطهران، إشارة إلى أن المباحثات (السرية والعلنية) بين واشنطن وطهران قد وصلت إلى أساس لاتفاق يضمن استمرار التعاون الأميركي ـ الإيراني في ملفي العراق وأفغانستان، ويضمن فيه كل فريق مصالح الطرف الآخر في المنطقة.. ومن هنا يأتي التحرك الإسرائيلي لاستباق الأمور وتهيئة المناخ لمرحلة جديدة ستختلف فيها حسابات كل الأطراف؟

أم أن الرسالة الإسرائيلية هي جزء من مخطط يستهدف إغلاق كل أبواب الحديث عن تسوية سياسية مع الفلسطينيين، تحقق «حل الدولتين» الذي يلقى تأييداً عالمياً متزايداً وترفضه الحكومة الإسرائيلية، وتدرك في نفس الوقت استحالة بقاء الأوضاع الحالية على جمودها، ومن هنا تحاول إيجاد البديل.. سواء بطرح مقترحات تعرف أنها مرفوضة سلفا حول الحلول المؤقتة، أو بممارسة الضغوط على الإدارة الأميركية لتضغط بدورها من أجل إعادة أبو مازن للتفاوض، أو بالتلويح لدمشق باستعدادها لاستئناف التفاوض وأنها جاهزة لاستحقاقات التسوية معها، وهنا يكون التغيير في الموقف الإسرائيلي من الملف النووي الإيراني، خطوة مزدوجة على هذا الطريق.. فهو، من ناحية، رسالة لدمشق بأن استئناف التفاوض مع إسرائيل لن يكون على حساب علاقتها بإيران، ولا تمهيداً لشن حرب ـ أصبحت مؤجلة ـ عليها. وهو أيضا رسالة لطهران بأن التفاوض على المسار السوري لن يكون على حسابها، ولن يكون الهدف منه محاصرتها تمهيداً لضربها، وأن عليها أن تعيد حساباتها في ضوء الإعلان الإسرائيلي الذي يدعم موقفها في المباحثات حول الملف النووي، ويرفع عنها الكثير من الضغوط!

و.. الأسئلة كثيرة، والاحتمالات مفتوحة، وكلها تؤكد على مشروعية ما طالبت به دولة الإمارات من أن تكون دول الخليج والدول العربية في قلب عملية التفاوض على الملف النووي الإيراني، وكذلك على المطلب العربي بإنهاء الوضع الاستثنائي لإسرائيل وإخضاع ملفها النووي للرقابة الدولية، كخطوة أساسية نحو شرق أوسط خال من السلاح النووي.. وأيضاً من الاحتلال واغتصاب الحقوق المشروعة، تحت سمع وبصر عالم يخضع لمنطق القوة، ويسكت عن الحق ما دامت الضحية تحمل الهوية العربية.