في الوقت الذي انتهى عام من السياسة، عكف الكونغرس والرئيس الأميركي باراك أوباما على الجدل حول الإبقاء على معدلات الضرائب من عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، حيث أصرّ المحافظون على أن فئة الـ‬5 الأعلى من أصحاب المنازل، قدمت بالفعل ما يقرب من ‬60٪ من الإيرادات الضريبية الإجمالية، وأن زيادة الضرائب المفروضة على الطبقات الموفرة للوظائف، تعد عملاً انتحارياً.

ردّ الليبراليون بأن أجور الطبقة المتوسطة أصبحت راكدة على مدى العقد الماضي، وقد حان الوقت للأثرياء لدفع المزيد عن الآخرين. وفي الوقت نفسه، تحدث كلا الجانبين عن التراجع الأميركي، وافترضا أن الحكومة الفيدرالية كانت إما المشكلة أو الحل.

كانت هذه المناقشات تستند إلى مفاهيم متحجرة تتعلق بالثروة والفقر النسبيين المقومين بالمال، وتجاهلت أن مثل هذه الطرق في القياس تعتبر حالياً قد عفا عليها الزمن في عالمنا الجديد الشجاع. تخيلوا لو أننا قبل ‬30 عاماً فقط كنا نحلم بأن معظم الأميركيين سوف تكون لديهم عما قريب هواتف نقالة صغيرة، تسمح للمستخدمين بالحديث أو إرسال الرسائل النصية والصور إلى أي شخص في العالم مقابل بنسات زهيدة للدقيقة الواحدة، وهي ثورة حقيقية في الحياة اليومية حدثت دون مجهود فيدرالي هائل شبيه بمشروع «مانهاتن»! لقد انتقلنا من مرحلة «دجاجة في كل وعاء» إلى مرحلة «هاتف نقال في كل يد».

هل كان بمقدور «المجتمع العظيم» المنتمي إلى الماضي، أن يعد جميع الأميركيين تقريباً بأنهم ستكون المعلومات الفورية في متناول أيديهم حول أي موضوع يمكن تصوره؟ بالتأكيد فإن الأباطرة، أي أقطاب الشركات وكبار شخصيات وول ستريت القديمة، كانوا سيبادرون إلى دفع الملايين من أجل الحصول على هذه المعرفة، التي أصبحت الآن متاحة لأي شخص تقريباً بحوزته جهاز كمبيوتر، دون الحاجة إلى اختصاصيين أو علماء بأجور باهظة أو كتب.

اليوم يمتلك الأميركيون أنظمة ملاحة لتحديد المواقع أعلى مستوى من نظيراتها التي كان الطيارون يستخدمونها قبل ‬30 عاماً. وتبدو أدوات العميل السري «جيمس بوند» عتيقة الطراز، مقارنة مع الملحقات المتوفرة على هواتف آي فون اليوم، التي أصبحت جميعها متوفرة لدينا دون برنامج حكومي.

لقد تمزقت أوصال المجتمع الأميركي حول مسألة الرعاية الصحية في عام ‬2010. ونادراً ما كان يشار إلى دزينة من أنواع السرطان، التي كانت حتى وقت غير بعيد ترقى إلى أحكام الإعدام، وهي الآن قابلة للعلاج. ورغم كل الحديث بشأن البدانة المنتشرة كالوباء، والكسل الثقيل، فإن الذين في سن الثمانين من العمر، بفضل العقاقير الجديدة المنقذة للحياة والتقدم السريع في عمليات تصحيح العظام، وعلاج المفاصل، والسمع والرؤية ومشكلات الأسنان، غالباً ما يشبهون من كانوا في عمر الستين في الماضي.

في الوقت الذي يتجاوز سعر الغاز ‬3 دولارات للغالون الواحد على امتداد أجزاء كثيرة من أميركا خلال عيد الميلاد هذا العام، فإننا ننتقد ارتفاع التكلفة، متناسين أن أسعار الوقود لدى تقويمها بعد احتساب نسبة التضخم، ليست أكثر بكثير مما كنا ندفعه قبل ثلاثة عقود. وسياراتنا التي تحرق الغاز بشكل أكثر نظافة، تحصل تقريبا على ضعف عدد الأميال للغالون الواحد مقارنة مع نظيراتها في عام ‬1975، مما يخفض السعر الحقيقي للوقود بمقدار النصف. لقد ترعرعتُ على الاستماع إلى تسجيلات الفينيل التي تعمل على أجهزة التشغيل الضخمة ذات الإبرة. الآن، فإن مشغلات الموسيقى الرقمية بحجم الإبهام التي تباع بأسعار أقل، تحفظ أكبر عدد من الأغاني وتشغلها بجودة أفضل بكثير. وكان الطيران امتيازاً للطبقة الأرستقراطية، بعيداً عن متناول معظم الطبقة المتوسطة، واليوم أصبح تسلية أميركية. وفي حقبة الستينيات ارتبطت الرحلات البحرية باليخوت الخاصة، أما الآن فتستمتع الطبقة المتوسطة بالبواخر الفاخرة.

وتعتبر المنازل المتوسطة في الضواحي، في القرن الحادي والعشرين، أكثر دفئا في فصل الشتاء وأكثر برودة في الصيف، مما كانت عليه القصور الشاسعة الغنية القديمة خلال منتصف القرن العشرين.

باختصار، يعتبر الأميركيون أكثر ثراء وصحةً، ولديهم الكثير من الخيارات أكثر من أي وقت مضى في تاريخهم، وبطرق لا تسجل في مقاييسنا القديمة في ما يتعلق بما يشكل الفقراء أو الأغنياء.

نعم، لا يزال هناك الفقر والتوتر إزاء المكانة والنفوذ النسبي. وبالإضافة إلى ذلك، لا يمكن قياس الحياة الكريمة دائماً بالمادة وحدها، بل براحة البال والأمن والفرص كذلك. إلا أننا في عيد الميلاد هذا العام، ينبغي علينا قاطبة أن نعطي أنفسنا على الأقل بعض الثقة. خلال العقود الثلاثة الماضية، حققت الولايات المتحدة، عن طريق الطفرات التكنولوجية وإنتاجية العمال المحسنة واستيراد الإنتاج المعولم من الخارج، مستوى ازدهار مادي لمواطنيها الـ‬300 مليون شخص، والذي لا مثيل له في أي وقت من تاريخ الحضارة. بكل بساطة، لم يكن لأباطرة الأمس أن يشقوا طريقهم وصولاً إلى عالم الطبقة المتوسطة اليوم.