هل التفاوض وحده هو الخيار الأفضل لحركة تحرر وطني تناضل من أجل تحرير أرض مغتصبة؟

في سياق مقال نشر في صحيفة «نيويورك تايمز» بشأن العملية التفاوضية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، يأتي إلينا الكاتب الأميركي جيمس كارول بإجابة غير مباشرة من التاريخ القريب. ينقل إلينا الكاتب بالنص الحرفي ما ورد على لسان ديفيد بن غوريون مؤسس الدولة الإسرائيلية، في حديث له (أي بن غوريون) إلى المؤرخ الإسرائيلي الشهير «بين موريس».

قال بن غوريون ما يلي: «لماذا ينبغي على العرب أن يجنحوا إلى السلام؟ لو كنت زعيماً عربياً فإنني لن أتصالح قط مع إسرائيل. هذا أمر طبيعي. لقد استولينا على أرضهم. أجل إن الرب وعدنا هذه الأرض، ولكن هل هذا يهمهم في شيء؟ فربنا ليس ربهم. تاريخياً كنا في إسرائيل، ولكن ذلك كان قبل ألفي عام، فهل يعني ذلك أي شيء لهم؟ كانت هناك كراهية اليهودي في أوروبا.. وكانت هناك النازية وهتلر والمحرقة.. فماذا يعني ذلك لهم؟ إنهم يرون شيئاً واحداً فقط: اننا جئنا إلى هنا وسرقنا أرضهم. فلماذا يتعين عليهم أن يقبلوا بذلك؟».

أن يأتي مثل هذا القول من زعيم صهيوني كان يرأس الحكومة التأسيسية لدى قيام الدولة اليهودية الوليدة عام ‬1948، عجب بما يكفي. لكن الاستخلاص النهائي الذي يمكن الخروج به من هذا الطرح، يضاعف العجب. فهذا القائد الإسرائيلي التاريخي، إنما يدعو العرب الفلسطينيين إلى انتهاج المقاومة المسلحة إذا أرادوا استرداد أرض مغتصبة، وأن هذه المقاومة المسلحة هي الخيار الأوحد، وكأن بن غوريون يحرضهم على ترسم خطى «النضال» اليهودي من أجل «وطن قومي» للأمة اليهودية. فلو سلكت الحركة الصهيونية نهج التفاوض وحده والاعتماد على «الشرعية الدولية القانونية»، لما كان قيام الدولة اليهودية ممكناً.

يقول الكاتب كارول، إنه لو عاش بن غوريون حتى اليوم لأضاف إلى قوله ما يلي: إن الفلسطينيين يرون أيضاً أن مئات الألوف الذين جردوا من ممتلكاتهم في عام ‬1948 وعام ‬1976، قد ارتفع عددهم إلى خمسة ملايين.. كثير منهم ما زالوا لاجئين يعيشون في معسكرات حتى اللحظة. ويرون غزة تختنق بالحصار، والحياة في الضفة الغربية قد سحقها الاحتلال. ويرون أيضاً التجاهل الإسرائيلي لوعود تعطى في مفاوضات سلام. و«إذن لماذا يتعين عليهم أن يأتوا إلى طاولة المفاوضات الآن؟» حقاً لماذا؟

والسؤال موجه إلى قيادة السلطة الفلسطينية. ويمكن إعادة صياغة السؤال على نحو آخر: هل هناك صورة للمستقبل البعيد يمكن أن ترسم من وحي الخيال «الواقعي» لنهاية الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي؟

للكاتبة البريطانية مارغريت آتوود العاملة في صحيفة «التايمز» اللندنية، سيناريوهات تطرحها كاحتمالات: يهودية إسرائيل، والفلسطينيون في هذه الحالة إما أنهم ذبحوا بالكامل أو طردوا جماعياً إلى خارج الحدود. لكن إسرائيل صارت معزولة تماماً بسبب غضب الرأي العام العالمي ونجاح المقاطعة ضدها وتبخر المساعدات الأميركية، وقد هاجر الإسرائيليون «المعتدلون» إلى المنافي. في السيناريو الثاني ينتهي وجود إسرائيل كدولة. لقد جرى تدميرها في حرب نتج عنها مقتل الإسرائيليين جميعاً. وفي السيناريو الثالث قيام دولة واحدة تجمع الفلسطينيين مع الإسرائيليين، ولكن سرعان ما تندلع حرب داخلية، حيث إن السكان لم يستطيعوا الاتفاق على علم واحد وقوانين موحدة.

أما السيناريو الرابع فهو قيام دولة واحدة ديمقراطية حقيقية، تتساوى فيها حقوق المواطنين الفلسطينيين مع حقوق المواطنين اليهود. وفي السيناريو الخامس ينتهي تماماً وجود كل من إسرائيل وفلسطين، فقد قضت عليهما حرب بالقنابل النووية. السيناريو السادس هو أن تداعيات التغيرات المناخية حولت المنطقة برمتها إلى صحراء قاحلة تماماً.

بقي السيناريو السابع، وهو ما تحبذه الكاتبة البريطانية.. وفيه تتصور قيام دولتين: إسرائيل وفلسطين.. وكلاهما مزدهرتان وترتبطان بعلاقات التبادل التجاري، وتتشاركان في مشروعات تنموية.

إنه حقاً السيناريو المرغوب فيه، لكن: هل يتحقق؟

رغم أن الكاتبة البريطانية المرموقة طرحت حججاً موضوعية لتقنع القارئ بأن طرحها قابل للتحقق على المدى البعيد، إلا أنها لم تشأ أن تتطرق إلى أقوى عاملين تحكماً في ماضي الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي، ويتحكمان في حاضره، ويمتدان إلى مستقبله المرئي.

العامل الأول يتجسد في أن قادة إسرائيل، السابقين واللاحقين، يتعاملون مع هذا الصراع من منظور ديني «توراتي». فالضفة الغربية الفلسطينية أرض مقدسة.. «أرض الميعاد» التي «وهبها» الله لشعب بني إسرائيل. وهذا ما يجعل القيادات الإسرائيلية المتعاقبة لا تأخذ المفاوضات مع الفلسطينيين والعرب مأخذ الجد.. فهي وسيلة أو حيلة خداعية لشراء الوقت، ريثما يكتمل مخطط التهويد الاستيطاني. العامل الثاني هو أن تاريخ الحركات التحررية في جميع أنحاء العالم، لا يفيد بنجاح أي حركة تحررية ضد استعمار أجنبي، إلا بوسيلة المقاومة الناشطة.. فما بالك باستعمار استيطاني!

الكاتبة تقول إنها تستوحي الخيال «الواقعي».. لكن الخيال يبقى خيالاً حالماً منسوجاً من مادة «التفاوض»، الذي تصوره القيادة الرسمية الفلسطينية لنفسها وكأنه المخرج الأوحد، بينما تواصل إسرائيل تهويد القدس وبناء الجدار العازل، وتوسعاً استيطانياً يلتهم الأرض التي من المفترض أن تنشأ عليها الدولة الفلسطينية.