في الاحتفال ببداية العام الميلادي الجديد، نقف اليوم في ساعات فاصلة بين عامين وقفة مليئة بالألم والأمل معاً، وبالتساؤل والمساءلة معاً.. بين عام ثقيل بأحداثه وآلامه ومشاهده يلملم أيامه ويمضي، وعام جديد بآماله لا نعرف هل سيكون أفضل أم أقل سوءاً أم أسوأ، ولا نملك إلا أن ندعو الله ونعمل ونأمل جميعاً كي يكون العام الآتي ‬2011، أكثر أمناً وأكثر عدلاً وأكثر سلاماً من العام الماضي ‬2010، على عالمنا عموماً وعلى وطننا العربي وأمتنا الإسلامية خصوصاً. ولا غرابة في أن نحتفل كعرب وكمسلمين بيوم ميلاد السيد المسيح عليه السلام.. نحتفل كعرب، لأن مشهد هذا الميلاد التاريخي حدث في مدينة عربية هي بيت لحم الفلسطينية، ولأن قضية فلسطين العربية منبع الرسالة المسيحية السماوية إلى العالمين، هي قضية القضايا للشعب العربي كله من خليجه إلى محيطه، وبمسيحييه ومسلميه، هذا العام وكل عام، حتى تتحرر فلسطين من البحر إلى النهر، من الاحتلال الصهيوني الذي حتماً سيزول مثلما زال من قبل الاحتلال الصليبي. ولأن فلسطين العربية المحتلة بكل ما فيها من مقدسات دينية، بقدسها الشريف والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، وبمدينة الخليل والمسجد الإبراهيمي لأبي الأنبياء، وببيت لحم بكنيسة المهد، هي التي تتجه إليها الليلة قلوب وأنظار كل العالم، وهي تقاوم المحتلين العدوانيين سلماً وسلاحاً، وتضيء الشموع في وجه ظلمة ليل الاحتلال الصهيوني الغاصب، الذي يمثل شاهد الزور على صحيح الرسالة اليهودية السماوية.

ونحتفل بهذا اليوم كمسلمين، لأن فلسطين هي أرض الأنبياء المقدسة، ولأنه لا يكتمل إسلام المسلم ولا إيمان المؤمن إلا بالإيمان بالله الواحد وبملائكته وكتبه وأنبيائه ورسله جميعاً عليهم السلام، ولهذا نؤمن بالنبي موسى عليه السلام، الذي كانت مصر العربية هي مهد ميلاده، وسيناء المصرية هي منبع رسالته، ولا نؤمن بشهود الزور الصهاينة المستعمرين على صحيح رسالته السماوية.. «بل نحن أولى بموسى منهم» على حد قول نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام..

كما نؤمن بالنبي عيسى عليه السلام الذي كانت فلسطين العربية هي مهد ميلاده، ولا نؤمن بشهود الزور على صحيح رسالته السماوية من المستعمرين الصليبيين الأوروبيين، الذين تستروا بالمسيحية ورفعوا شعار الصليب ليحتلوا بلاد العرب والمسلمين، بينما المسيح وديانته السمحاء منهم براء، ولأن الرسالات السماوية في الأصل مصدرها واحد وقيمها واحدة، فلقد جاءت الرسالة الإسلامية مصدقة لما قبلها وغير معادية لكل أهل الكتاب، بل داعية إلى «كلمة سواء»، وليس هناك دين سماوي يبيح العدوان ولا الظلم ولا الاستغلال، ولا طرد الشعوب من أوطانها واغتصاب أرضها وسفك دماء أبنائها. في ليلة يوم الميلاد تتراءى أمامنا مشاهد كثيرة، تطرح علينا وعلى غيرنا أسئلة كثيرة، بداية من بيت لحم في فلسطين مدينة السلام، حيث نشهد عملية ذبح السلام العادل، بأيدي المحتلين المعتدين على خلاف كل القيم السماوية والإنسانية، وبالمخالفة لكل المبادئ الأممية والقرارات الدولية، بدعم حلفاء الصهاينة الاستراتيجيين من الأميركيين والأوروبيين والتابعين لحساب الإسرائيليين العنصريين، وعلى حساب العرب الفلسطينيين..

والسؤال الملح هو كيف سيواجه العرب المسلمون والمسيحيون التحدي الإسرائيلي والتخاذل الأميركي والتواطؤ الأوروبي، بعد وفاة ما يسمى بعملية السلام، في ظل استمرار انقساماتهم السياسية غير المبررة؟

ومروراً بغزة المحاصرة بحصار إجرامي لا إنساني عبري وغربي وعربي، والتي شهدت في مثل هذه الأيام منذ عامين عدواناً إجرامياً صهيونياً بمحرقة فاقت المحرقة النازية وحشية، والتي تعرضت قبل أيام لأعنف عدوان جوي إسرائيلي منذ ذلك العدوان الأكثر عنفاً مع نهاية العام الميلادي ‬2008 وبداية العام ‬2009، وبينما لم تتوقف القوافل الشعبية في البر والبحر والجو لأنصار الحرية ودعاة الحقوق الإنسانية العالمية الأوروبية والأميركية خلال أعوام الحصار الظالم، وبينما تستعد غزة لاستقبال أول قافلة آسيوية لكسر الحصار، وبينما تتوالى اعترافات دول أميركا اللاتينية بالدولة الفلسطينية رداً على العدوانية الإسرائيلية.. يطرح السؤال نفسه على المنظمة الدولية وعلى الجامعة العربية وعلى منظمة المؤتمر الإسلامي؛ أين الردود العربية والإسلامية والإفريقية القوية؟ وهل توقفت ملاحقتكم لإسرائيل المتهمة في تقرير «غولدستون» بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد الشعب العربي الفلسطيني في غزة؟ ولماذا لا تقفون مع تركيا لملاحقة إسرائيل على جريمتها ضد أسطول الحرية، وفقاً لتحقيق اللجنة الأممية؟!

ومروراً بلبنان، حيث المؤامرة الدولية عليه عارية أمام كل ذي عينين لا يستر عورتها شيء، بهدف تفجير الفتنة الطائفية فيه، سواء بين المسيحيين والمسلمين، أو المذهبية بين المسلمين الشيعة والمسلمين السنة، لتدمير التوافق الوطني اللبناني بين شعبه وجيشه ومقاومته، ومحاولة فصل علاقته بسوريا وخلعه من محيطه العربي، وإلحاقه بالمحيط الغربي ووضعه تحت الوصاية الصهيو أميركية الدائمة بحكم محكمة، بعد الفشل في إخضاع مقاومته بأمر قتال أميركي وتنفيذ صهيوني في يوليو ,‬2006.

والسؤال؛ ألم يتضح للعرب بعد أن القرار الدولي «الفرنسي الأميركي» ‬1757، هو قرار غير دستوري لبنانياً وغير شرعي دولياً، ويشكل مؤامرة ليس على مقاومة لبنان، بل للوصاية الدولية تحت الفصل السابع على كل لبنان، وعلى الدول العربية والإسلامية المحيطة بإسرائيل؟ وألا يستدعي ذلك من الجامعة العربية وقفة لمراجعة مجلس الأمن الآن، في مدى سلامة هذا القرار، واتخاذ موقف لإبطال تداعياته الكارثية؟

ونهاية بمؤامرة التقسيم الكبرى ضد الوطن العربي، التي بدأت في «سايكس ـ بيكو» باتفاق بريطاني فرنسي عام ‬1916، وتتواصل الآن باتفاق إسرائيلي أميركي عام ‬2011، بالسير في طريق التدخل والفتنة لتقسيم السودان والعراق والصومال واليمن ولبنان.. والبقية تأتي، ما لم يتحرك العرب لبناء «السد العالي» في وجه كل المؤامرات المكشوفة والمستترة لاستباحة الوطن العربي وإخضاع الأمة الإسلامية للهيمنة الغربية والصهيونية، بعد أن أصبح الخيار واضحاً؛ إما مزيد من الوحدة الوطنية والقومية، أو مزيد من الانفصال الطائفي والمذهبي.. ليبقى السؤال مطروحاً: ترى هل نقف ساكنين ساكتين أم علينا التحرك؟.. وماذا نحن فاعلون؟!