تنطوي سياسة الولايات المتحدة تجاه أفغانستان، على إنفاق عشرات المليارات من الدولارات ومعاناة عدة مئات من الخسائر في الأرواح لقوات التحالف سنوياً، وذلك في الأساس لمنع حركة طالبان الأفغانية من السيطرة على معقل البشتون الأفغان.
ولكن الولايات المتحدة وحلفاءها لن يهزموا طالبان عسكرياً، ولن تتحسن إلى درجة كبيرة حكومة الرئيس الأفغاني حامد قرضاي الفاسدة بشكل ملحوظ. ولا يستطيع الجيش الوطني الأفغاني تولي المهام القتالية من قوات «إيساف» في جنوب أفغانستان وشرقها، في أي إطار زمني واقعي. وقد أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أخيراً إلى أن «تقريرين استخباريين سريين جديدين يقدمان تقييماً أكثر سلبية، ويشيران إلى أن هناك فرصة محدودة للنجاح، ما لم تطارد باكستان المتمردين الذين ينشطون من ملاذات على حدودها مع أفغانستان»، ولن يحدث ذلك. مع وقوع هذه العناصر الفردية للسياسة الأميركية في أفغانستان في مأزق خطير، فإن التفاؤل بشأن قدرة الاستراتيجية الحالية على تحقيق أهدافها، يذكرنا بتعليق لشخصية الملكة البيضاء في رواية «عبر المرآة»، الذي يقول: «كنت أصدق أحياناً ستة أشياء مستحيلة الوقوع قبل تناول الإفطار».
إن التقسيم بحكم الأمر الواقع، يتيح لإدارة أوباما أفضل بديل متاح لهزيمة استراتيجية. ينبغي أن تتوقف الإدارة عن تحديد مواعيد نهائية للانسحاب، بدلا من إلزام الولايات المتحدة بدور قتالي طويل الأمد في أفغانستان، بقوات تتراوح ما بين 35 و50 ألف جندي، على مدى السنوات السبع إلى العشر المقبلة. وبالمثل، يجب على واشنطن أن تقبل بفكرة أن طالبان سوف تسيطر حتماً على معظم مناطق البشتون في الجنوب والشرق، كما أن ثمن إحباط هذه النتيجة أكثر ارتفاعاً بالنسبة للأميركيين من أن يواصلوا دفعه. يجب على الولايات المتحدة وشركائها وقف القتال والموت في موطن البشتون، وترك ترابط القوى يأخذ مجراه، في حين يتم نشر القوة الجوية الأميركية والقوات الخاصة لضمان أن مناطق شمال وغرب أفغانستان لا تستسلم لطالبان. إن قبول التقسيم الفعلي لأفغانستان يعد أمراً معقولاً، فقط في حال أثبتت الخيارات الأخرى المتاحة أنها أسوأ، وهي كذلك. وهناك بديل يتمثل في إبقاء المسار الحالي في أفغانستان على ما هو عليه. تقوم الولايات المتحدة بنشر حوالي مئة ألف جندي في أفغانستان، إلا أن هناك الآن ما بين خمسين إلى مئة فقط من مقاتلي تنظيم القاعدة.
هذا يعني أن ما بين ألف وألفي جندي في مواجهة عناصر القاعدة، ينفق عليهم 100 مليار دولار سنوياً، وهو ما يفوق بكثير أي إنفاق معقول للموارد الأميركية، بالنظر إلى المخاطر التي تنطوي عليها. وحتى لو كان العديد من الـ300 مقاتل من تنظيم القاعدة الموجودين حالياً في باكستان، قد تحركوا لبضعة أميال شمال المنطقة الحدودية، فإن ذلك لن يطرح فارقاً عملياً كبيراً، وهو بالتأكيد ما لا يكفي لتبرير حرب برية كبيرة تجري لأجل غير مسمى. والبديل الآخر يتمثل في أن تسحب الولايات المتحدة جميع قواتها العسكرية من أفغانستان خلال السنوات القليلة المقبلة، ولكن هذا من شأنه أن يؤدي إلى اكتساح محتمل لأفغانستان بأكملها على يد طالبان. وسوف يجرّ جيران أفغانستان إلى القتال، وسوف يضعف الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والهند في مهدها، ويقوّض مستقبل «ناتو»، ويؤدي إلى تدفق الدعم العالمي للأيديولوجيات المتطرفة، وزيادة الإرهاب ضد المجتمعات الليبرالية.
وسوف يعتبره الأصدقاء والأعداء في جميع أنحاء العالم، فشلاً للقيادة الدولية والتصميم الاستراتيجي من قبل أميركا التي تزداد ضعفاً. والبديل الثالث هو تحقيق الاستقرار في أفغانستان من خلال مفاوضات ناجحة مع طالبان. فكما قال مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية «ليون بانيتا»، فإنه طالما أن حركة طالبان تعتقد أنها تحقق انتصاراً، فسوف تظل صامدة. ورغم التكثيف الرئيسي لهجمات الطائرات الموجهة عن بُعد، لا يمكن للولايات المتحدة القضاء على طالبان في إطار تسوية سياسية ذات مغزى.
