تواجه الفنون الليبرالية عاصفة مثالية، فالاقتصاد يصارع البطالة المرتفعة بشكل فاحش، ويغرق في عجوزات فيدرالية ومحلية ضخمة. ولن يوفر خفض الميزانية التعليم.

الجمهور الأميركي غاضب بالفعل بسبب الاحتيال والهدر وعدم الكفاءة في المدارس والجامعات الأميركية. وفي هذه الأوقات العصيبة، يتشكك دافعو الضرائب محقين إزاء كل شيء يتعلق بالتعليم التقليدي، من نقابات المعلمين ومدد تعيين هيئة التدريس، إلى السرية التي تلف سياسات القبول في الجامعات، وإزاء أي من المساقات يعد حقاً بحاجة إلى أن يتم تدريسها.

لقد ظهرت المدارس التجارية الخاصة ذات الطابع الانتهازي في كل مكان، وهي تقدم شهادات عبر الإنترنت في المهارات العملية، دون رتوش وتكاليف ما يسمى بـ«اختبارات» الفنون الليبرالية.

رداً على هذه التحديات، فقد برهن اليسار الأكاديمي العلاجي غالباً على عجزه عن الدفاع عن الفنون الليبرالية التقليدية. وبعد ثلاثة عقود من اعتبار دراسة الأدب والتاريخ في معظم الأحيان ميلودراما العرق والطبقة والنوع، حيث تمكن من تنفير شريحة كبيرة من الجمهور الجامعي وجمهور القراءة العامة. وجنباً إلى جنب، فقد نجح اليمين النفعي في إعادة تصنيف مادتي أنشطة الأعمال والمالية، ليس بوصفها مجرد تخصصات جامعية في مرحلة ما قبل التخرج فحسب، ولكن باعتبارها عناصر جوهرية بالنسبة لمتطلبات التعليم العام.

في مثل هذا المناخ، من الطبيعي أننا نسمع مجدداً الحديث عن خفض المواد الدراسية «غير الأساسية» في كلياتنا، مثل اللغة اللاتينية وتاريخ عصر النهضة وشكسبير وأفلاطون، رمبرانت وشوبان. لماذا نتمسك بالفنون والعلوم الإنسانية في عالم تسوده التكنولوجيا الفائقة، وبين أيدينا إمكانية الاستدعاء الفوري للبيانات من خلال محرك البحث «غوغل»، في الوقت الذي لا تضمن مثل هذه الدراسات الوظائف المضمونة للقرن الحادي والعشرين؟

ولكن الفنون الليبرالية تدرّب الطلاب على الكتابة والتفكير والمجادلة الحماسية، في الوقت الذي يستندون إلى الدليل المستمد من كيان معرفي مشترك. وبدون هذا الأساس، فإنه من الصعب أن نطلب من الآخرين قرارات مطلعة ومنطقية، بشأن إدارة مجتمعنا المكبل بالأعباء في طريق المضي قدماً.

يتحول شغف المواطنين، المصدومين والمذهولين بالتغير التكنولوجي، إلى الإنترنت والأخبار التلفزيونية والبرامج الحوارية الإذاعية وألعاب الفيديو والثقافة الشعبية الحديثة. ودون ارتباطات بتراثنا الماضي، فإننا نشرع عن جهل في دراسة تحدياتنا الحديثة، كالحرب في أفغانستان، أو الاستنساخ أو العجوزات الضخمة، وهي التحديات التي تعتبر فريدة من نوعها، ولا تثير قضايا مشابهة لتلك التي تم التعامل معها وحلّها في الماضي.

ودون أن يتم تعليم المواطنين العلوم الإنسانية بشكل واسع، فإننا ننحدر إلى مجتمع هرمي. وتحترف النخبة الضئيلة التكنوقراطية الموجودة في القمة، كل شيء من الهواتف المحمولة ومحركات البحث إلى السياسة الخارجية والاستراتيجية الاقتصادية. أما الطبقة المتنامية من الجماهير في المستوى الأدنى، فإنها تفتقر إلى فهم التعقيد الحالي والمهارات الأساسية التي تمكنها من أن تضع ما يقال لها موضع المساءلة.

وخلال عقدي الستينات والسبعينات، اعتقد الليبراليون الملتزمون أننا يمكننا اختصار طريق عملية التعليم الليبرالي، من خلال إنشاء مواد دراسية دعوية ملحقة بكلمة «دراسات». وقد تم تصميم دراسات السود ودراسات الشيكانو، ودراسات المجتمع، والدراسات البيئية، والدراسات الترفيهية، ودراسات السلام ودراسات للمرأة.. ومئات الدراسات من أجل تخريج شباب ذوي مسؤولية أكثر اجتماعياً. وبدلاً من ذلك، فقد خرجت الجامعات غالباً الكثير من الدعاة المتحمسين الذين يفتقرون إلى وسائل المتعلمين لتحقيق مآربهم المسيسة المحددة سلفا.

من ناحية أخرى، احتج البراغماتيون بأن التنفيذيين الأميركيين المستقبليين بحاجة إلى تعلم برامج الحسابات في سن العشرين، بدلاً من تعلم سبب عدم حصول «أخيل» في ملحمة الإلياذة للشاعر الإغريقي هوميروس على ألوان التكريم التي يستحقها، أو كيف ضاعت الحضارة في روما في القرن الخامس، وألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي. إلا أن اللغة اللاتينية أو مساقا في البلاغة، كان يمكن أن يعلّم من يمكن أن يكون شخصية قيادية في الصناعة كيف يبهر جمهوره، بشكل أفضل من تلقي درس في برنامج مايكروسوفت باوربوينت.

فكلما كانت التكنولوجيا لدينا أكثر اتساماً بالطابع الفوري، كلما فقدنا القدرة على التواصل من خلالها. فموقع تويتر وأشكال التراسل النصي، أسفرا عن الاقتصاد في التعبير، وليس عن الوضوح أو الجمال. فهناك الملايين الذين يصبحون سابقين للعصر يتواصلون بالوسائل الإلكترونية، بدلاً من القدرة على التعبير عن أنفسهم بفاعلية ووقار. الحياة ليست مجرد اقتناء واستهلاك. فاستخدام النثر الإنجليزي يرتقي بالروح بطريقة لا يمكن لاستخدام شبكة اجتماعية أن تحققها. تعاني أميركا الكثير من المشكلات. وسكان منغمسون ويتلقون تعليماً في الأدب والتاريخ والفن والموسيقى، لا يشكلون إحدى هذه المشكلات.