ما زال العالم يشعر بالقلق ولم يلتقط أنفاسه بعد، جراء العاصفة النارية التي هبت أخيرا على شبه الجزيرة الكورية مرتين خلال شهر واحد، وهددت بانزلاق الأوضاع إلى حرب كورية ثانية، بسبب المناورات العسكرية الكورية الجنوبية الأميركية المشتركة في منطقة النزاع على الحدود البحرية بين الكوريتين، مما يشكل استفزازا بل وتهديدا للاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، وقد استدعى ردا عسكريا شماليا على مناورات الشهر الماضي بقصف جزيرة يونبيونغ الجنوبية..
وتزداد المخاطر هذه المرة في ظل أوضاع وتوازنات جديدة عسكرية ودولية، مرشحة للتورط في حرب قد تكون عالمية ونووية مدمرة خارج السيطرة، خصوصا في ظل فشل مجلس الأمن الدولي نتيجة الرفض الأميركي للتجاوب مع المبادرة الروسية بالضغط على الطرفين لضبط النفس، ومنع اندلاع المواجهة الساخنة بين الكوريتين في البحر الأصفر، حيث أعلنت المندوبة الأميركية «إن الحل ليس في مجلس الأمن»!
فما يجري من توتر في منطقة شديدة الحساسية كالبحر الأصفر، تتجمع حوله قوى كبيرة مختلفة وغير متوافقة القوة كالصين وروسيا، من جهة، وبتواجد عسكري أميركي كثيف في كوريا واليابان والفلبين من جهة أخرى، ليس بعيدا في تأثيره سلبا على استقرار الأوضاع في البحر الأبيض، ولا على الأوضاع الأمنية في الخليج العربي أو البحر الأحمر، في عالم تتشابك مشكلاته، وتتقاطع مصالحه، وتترابط أحزمة تهديداته وعناصر أمنه.
فليس بعيدا عن الأذهان أن ذلك الموقف الأميركي الضاغط، الذي يتربص بكوريا الشمالية في البحر الأصفر على خلفية نظامها الشيوعي وعلى خلفية ملفها النووي العسكري، هو نفس الموقف الذي يتربص بإيران في الخليج، على خلفية نظامها الإسلامي وعلى خلفية ملفها النووي غير العسكري، والتشابك بين الموقفين وارد، والترابط بين الجبهتين واضح. ولأن الأمن في الخليج يرتبط بالأمن في البحر الأحمر، يبدو العالم بمشكلاته وأمنه مترابطا.
وبيدو أن الحرب الكورية التي اندلعت عام 1950 بين الشمال الشيوعي المدعوم صينيا وروسيا، والجنوب الرأسمالي المدعوم أميركيا وغربيا، والتي دارت دامية ومدمرة على مدى ثلاث سنوات، لا تزال مستمرة عملياً.. وهي بالفعل ما زالت مستمرة لعدم توقيع اتفاق للسلام بين الكوريتين حتى الآن، بل ومرشحة للانفجار ثانية بعد أكثر من نصف قرن على توقيع اتفاقية الهدنة عام 1953، بما يشكل إشارة تحذير بالضوء الأحمر لوقف التصعيد في البحر الأصفر!
تلك الحرب الكورية التي اندلعت كنتيجة للحرب العالمية الثانية، والتي يهدد تجددها حالياً بنشوب حرب عالمية ثالثة، نشأت مقدماتها في أعقاب هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، وهي التي كانت تحتل كل شبه الجزيرة الكورية، وخروجها من كل كوريا نتيجة الهجوم المشترك على القوات اليابانية، السوفييتي من الشمال والأميركي من الجنوب، وتقسيم كوريا إلى قسمين نتيجة انتهاء التحالف السوفييتي الأميركي وانقسام العالم بين كتلتين.
ذلك الانقسام الدولي الذي أدى إلى انقسام الكوريتين والفييتنامين إلى شمالية وجنوبية في آسيا، والألمانيتين إلى شرقية وغربية في أوروبا، وبقيت شعوبها خلال فترة الحرب الباردة وما بعدها ساعية إلى إعادة الوحدة..
ورغم تشابه الحالة الفييتنامية مع الحالة الكورية في مقدماتها، إلا أنها مختلفة في نتائجها حتى الآن، ففي حين نجحت فيتنام الشمالية في تحرير فيتنام الجنوبية من القوات الأميركية بعد نضال مرير في الحرب الفيتنامية، وتوحيد القسمين في فيتنام الموحدة.. لم تتحرر كوريا الجنوبية بعد من القوات الأميركية، ولم تتوحد الكوريتان، رغم محاولات الشمال والجنوب إعادة توحيد شبه الجزيرة الكورية، سواء بالوسائل العسكرية باحتلال الشمال للجنوب أو بالهجوم المضاد واحتلال الجنوب للشمال خلال الحرب الكورية، أو بالوسائل السياسية بمبادرات شعبية أو حكومية على مدى نصف القرن الأخير!
لقد عكس الاجتماع الأخير لمجلس الأمن الدولي، استمرار الانقسام في المواقف بين العواصم الدولية الكبرى حول ملفات القضايا التاريخية العالمية الكبرى، واختلاف الاصطفاف مع أو ضد أطراف الأزمة الكورية المتفجرة، فبينما كانت روسيا مع بداية تكون سحب الأزمة الثانية، هي الأسرع في دعوة السفيرين الأميركي والكوري، والأعلى صوتا في تحذير واشنطن وسيول من إجراء المناورات في ظل توتر الأوضاع بين الكوريتين، وفي دعوة مجلس الأمن للاجتماع العاجل.. كان الموقف الصيني الأكثر قربا وتأثيرا على كوريا الشمالية، هو الأكثر قربا من الموقف الروسي والأكثر حرصا على منع وقوع المواجهة العسكرية بين الكوريتين، بما يعني اقتتالا أهليا غير مطلوب بين الشعب الكوري الواحد، يريق الدماء الكورية بما يخدم أهدافا أخرى غير كورية، بينما لا يخدم المصالح الوطنية لأي من الجانبين، فضلا عن خطورة توريط الأطراف الدولية الكبرى فيه، بما يخرج الصراع من دائرته الكورية المحدودة إلى دوائر عالمية غير محدودة تهدد الأمن والسلام في العالم.
ما جرى في مطلع الأسبوع الماضي هو جرس إنذار بالصوت العالي لكل اللاعبين بالنار، سواء في عواصم شبه الجزيرة الكورية أو في بعض العواصم الدولية الكبرى الساعية إلى إشعال المواجهة الكورية، وإشارة تحذير بالضوء الأحمر إلى أن أوقفوا التصعيد والمغامرات في البحر الأصفر، حرصا على أمن وسلام العالم.. فمن مستصغر الشرر يأتي أكبر الحرائق.