في حمأة البحث فلسطينياً وعربياً عن بدائل التعاطي مع العنجهية الإسرائيلية، التي أغلقت باب التسوية السلمية على المسار الفلسطيني المنكود، عرض بعض الساسة الأوروبيين المخضرمين ما يعد خياراً ناجعاً. الاجتهادات الفلسطينية والعربية تراوح في دائرة انتزاع الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، بما فيها إعلان الدولة في حدود 1967، عبر مساقات مجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل واللجنة الرباعية وطلب الوصاية الدولية.. وواضح أن الدبلوماسية الفلسطينية تغُذ السير في اتجاه تسمين عدد الدول التي بوسعها الاعتراف عاجلاً بفلسطين الدولة، الأمر الذي من شأنه إحراج القوى المضادة وعلى رأسها إسرائيل والولايات المتحدة، عندما تحين لحظة رفع الملف إلى هذه الدوائر. وهنا تبدو فضيلة الاعترافين البرازيلي والأرجنتيني بالدولة الفلسطينية، ومن قد يحاكيهما في وقت قريب أو بعد فترة.
ميزة هذه الاجتهادات أنها توفر للجانب الفلسطيني زخماً في المعاني السياسية والحقوقية والأخلاقية على الساحة العالمية، وتعزز حضوره وتكرسه في مشارق الأرض ومغاربها. إنها تقفز بهذا الحضور من فوق الحواجز والجدران التي تقيمها الحركة الصهيونية وكيانها السياسي إسرائيل.
غير أن السؤال الذي يحلق هنا، يتعلق بما أن كان مثل هذا التكريس يحمل جديداً فارقاً لفلسطين والفلسطينيين؟ فقبل إبرام اتفاق أوسلو وتوابعه، وكذا خلال العقدين اللاحقين، كان الاعتراف بفلسطين ناجزاً بين يدي زهاء مئة عاصمة أو تزيد. وجاء حين من الدهر كان عدد المعترفين بفلسطين؛ الداعمين لقضيتها من الدول، أكثر من عدد المعترفين بإسرائيل. ومن زهوها بهذا الحضور الدولي، كانت القيادة الفلسطينية تقول ان فلسطين موجودة سياسياً، ولم يبق سوى حضورها جغرافياً على الخريطة الدولية.
على ان هذا المشهد الذي امتد زمنياً، لم يهدد إسرائيل بشكل جدي، ولا أرغمها على إنهاء احتلالها المديد لفلسطين، ولا حتى أقنعها بوقف زحفها الاستيطاني على الأراضي المرشحة للدولة الفلسطينية. نحن هنا بصدد دولة استعمارية لا تقيم وزناً للمنظومة الحقوقية والسياسية والأخلاقية، التي طالما توشحت بها فلسطين وداعموها في الجهات الأربع.. دولة «تخاف ولا تستحي». وهذا الصنف من الكيانات السياسية يهتم بما يؤلمه ويوجعه مادياً. والإيلام في التحليل الأخير ليس حكراً على استخدام الكفاح المسلح، الذي قد يراه بعض دعاة التسوية السلمية مستحيلاً في المرحلة الراهنة. الإيلام له سبل ومداخل متعددة، عرفنا بعضها في مواجهة النظم العنصرية في روديسيا وجنوب إفريقيا.
هذا يقودنا إلى فهم ما تطوع به 26 زعيماً اتحادياً أوروبياً سابقاً، حين أشاروا في بيان مشترك لهم صدر فى6 ديسمبر الجاري، إلى «ضرورة فرض عقوبات على إسرائيل، لإصرارها على مواصلة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة...»؛ لافتين النظر إلى فكرة الإيلام والوجع التي نتحدث عنها، بالقول «يجب إشعار إسرائيل بعواقب تصرفاتها وإجبارها على دفع ثمن انتهاكها للقانون الدولي، شأنها شأن أية دولة أخرى...».
لا يتسع المقام هنا للاستطراد إلى نقيصة هذا الموقف؛ التي موجزها أن الساسة الأوروبيين عادة ما يستأسدون وراء الحق، بعد الإحالة للمعاش ومغادرة مواقعهم الرسمية!.. ما يعنينا الآن أكثر، هو جوهر هذه الرسالة والمنهجية التي تأخذ بها.. منهجية دق الطاولة في وجه إسرائيل و«إجبارها» على دفع ثمن لا تحتمله، جراء انتهاكها لسلوك الدول المتحضرة، ونزع أردية القداسة عنها بمعاملتها كسائر خلق الله من الدول التي تستحق العقاب إذا ما اقترفت جناية، كاحتلال واستيطان أراضي الغير بالقوة.
بكلمات أخرى، فإن مغزى ما يدفع به أصحابنا من الأوروبيين المتقاعدين، هو أنه حسن جداً أن تتوالى الاعترافات بفلسطين القضية والدولة، ولكن الأكثر نفعاً وجدوى هو أن يترجم هؤلاء المعترفون الأفاضل أقوالهم إلى أفعال توجع إسرائيل. ونحسب أن أبواب هذه الوجيعة أو العقاب مفتوحة على آفاق كثيرة.. كعدم استقبال المسؤولين الإسرائيليين، وملاحقة المتهمين منهم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتعريضهم لأحكام القانون الدولي، وفرض المقاطعة على إسرائيل بكل المعاني الممكنة، دون استثناء احتمال قطع العلاقات الاقتصادية والسياسية.
رب متسائل هنا عما يملك الفلسطينيون تقديمه لقاء هذه الغضبة المضرية الدولية؟ سؤال مشروع كهذا، يستحضر إلى الخاطر الدور المنوط بالأمة العربية كلها، على الصعيدين الشعبي والرسمي. فالفلسطينيون المحفوفون بإمكانيات أمتهم ومقدراتها، يمكنهم عرض مكافآت سخية تسر خواطر الداعمين وترضي مصالحهم، وتعوضهم عما يمكن أن يخسروه من مصالح مع إسرائيل. وهذا بعض المطلوب بحثه والتأمل فيه، من لدن جامعة الدول العربية ولجنتها الشهيرة بلجنة المتابعة.