جاك آتالي

منذ اندلاع أزمة الدين اليونانية، حاولت أوروبا إصلاح مشكلاتها بطريقة مؤقتة وقصيرة الأمد. ولا عجب في ذلك، فالأزمة تواصل التوسع، وتهدد ليس فقط اقتصادات كل من ايرلندا والبرتغال وربما اسبانيا، ولكن المشروع الأوروبي نفسه. وقد آن الأوان لكي يتم التعامل مع النقطة الحاسمة في المسألة، من خلال تغيير منظم قبل فوات الأوان.

وكما هي الحال الآن، فليس أمام الدول الأوروبية الأعضاء أية خيارات، سوى أن تضع نفسها تحت رحمة الأسواق المالية.

لقد دفعت الاحتياجات المتزايدة الدول الحديثة إلى الاقتراض بشكل متزايد، باستخدام أدوات أكثر تعقيداً واتساماً بالمخاطرة بصورة متزايدة. قام المستثمرون في الماضي بشراء هذه الديون السيادية، نظراً لكونها ملاذا آمنًا نسبياً. وبخلاف دين الشركات، تنطوي السندات العامة على ضمان مدعوم بقاعدة الدول الضريبية.

إلا أنه، كما تنشئ الدول أسواقاً تسمح لها بتمويل أنفسها، فإن هذه الأسواق يمكن أن تنقلب ضد الدول، عندما يقود النطاق الذي وصلت إليه القروض التي حصلت عليها دولة ما، إلى شكوك بشأن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها. وكما شهدنا، يمكن أن يؤدي هذا إلى صراع مأساوي بين هذين الطرفين الحاملين للأسهم، اللذين يترقب كل منهما بحذر خطوات الآخر بيقظة شديدة، فيما يحاولان حماية مصالحهما. هذا هو الوضع الذي تجد أوروبا نفسها فيه حالياً. والمخرج الوحيد من هذه الورطة هو استعادة ثقة المستثمر، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تحديد معالم طريق يتسم بالمصداقية، في اتجاه عودة التمويلات العامة القابلة للاستدامة في أوروبا ككل. طريق اليورو ليس معرضاً للخطر على المدى القصير. إنه عملة صامدة تقوم على أكبر اقتصاد متكامل في العالم. ولكن لن يكون بمقدور الوحدة النقدية الاستمرار على المدى الطويل، إذا لم يتم فعل شيء ما خلال الشهور القليلة المقبلة، لتفادي رد فعل تسلسلي من حالات التعسر بين الدول في منطقة اليورو.

والسيناريو الأسوأ يعتبر أكثر سهولة من أن يتم تصوره. سوف تحاول الدول الأكثر عرضة للخطر تجنب كارثة، من خلال تبني برامج تقشف، ولكن سوف تثبت هذه الدول أنها غير كافية لاستعادة ثقة المستثمر، وغير فعالة لصد الهجمات من قبل المضاربين التي تؤدي إلى رفع تكلفة الاقتراض. سوف تبدأ أحجار دومينو إعصار الإعسار المتتابع في السقوط، حجراً تلو الآخر.

سوف تسقط بدورها المصارف والمؤسسات المالية الأخرى، التي ضمنت الدين المقيّم بأقل من قيمته للدول المعسرة، مما سيسفر عن دمار لمودعيها وأصحاب معاشات التقاعد والرواتب لديها. ولن يكون بمقدور البنك المركزي الأوروبي، بدوره، تجنب هذه الكارثة. فلو أنه حاول ذلك، على سبيل المثال من خلال القيام بطبع المزيد من المال، فسوف ينهار اليورو.

ولا يزال في الإمكان تجنب حدوث هذا السيناريو، إذا اتخذنا إجراء الآن قبل أن تبدأ أحجار الدومينو في التساقط. والحل واضح تماماً، حيث يتعين أن تتم مساندة البنك المركزي الأوروبي من قبل هيئة مالية أوروبية، من خلال أداوت متنوعة لا يمكن الاستغناء عنها، والتي تتمثل في القدرة على إصدار سندات خزانة أوروبية، وزيادة الضرائب الفيدرالية، والقدرة على اتخاذ إجراء حاسم على الصعيد الأوروبي.

إن الاتحاد الأوروبي هو الكيان السيادي الوحيد الذي ليست لديه القدرة على الاقتراض من الأسواق الخاصة، عبر إصدار سندات خزانة. فلو أننا في سبيلنا إلى شق طريق الخلاص من هذه الأزمة الشاملة، بدلاً من اللجوء إلى سد الفجوات على نحو متعجل، يجب أن يقام الصرح الأوروبي على أساس أكثر صلابة، من خلال التفويض بإصدار تلك السندات جنباً إلى جنب مع إنشاء خزانة أوروبية تتولى إدارتها. ويتم تمويل ميزانية هذه المؤسسة من خلال قروضها والضرائب.

وبهذه الطريقة، فإن الاتحاد الأوروبي بوصفه كياناً واحداً، يمكنه أن يأخذ على عاتقه جزءاً من الدين العام للدول الأعضاء فيه، والذي يشكل ‬60؟ من مجموع ناتجه المحلي الإجمالي.

في الآونة الحالية، لا يعاني الاتحاد الأوروبي من الدين، الأمر الذي يمنحه هامشاً كبيراً من المناورة. سوف تكون تكاليف خدمة الدين لسندات الخزانة الأوروبية الجديدة، أقل من تكاليف السندات التي تصدرها الدول الأعضاء كل على حدة. يمكن للدول الأعضاء أن تحول إلى الاتحاد الأموال اللازمة لتمويل خدمة الدين. وطالما أن مثل هذه الفيدرالية في الميزانية ليست قائمة، فإن العملة الأوروبية الموحدة، اليورو، سوف تواصل كونها أكثر هشاشة.

ولا يعتبر الوضع الحالي في أوروبا جديداً بحال، فالتاريخ يعلمنا أن أزمات الديون السيادية عادة ما تنتهي بانهيار الدولة، لا سيما إذا ما حاولت لمدة أطول من اللازم، الإبقاء على مستوى المعيشة لديها من خلال الاقتراض المفرط. هكذا فإنه لا يجب الاستخفاف بمخاطر الأزمة الحالية على مستقبل أوروبا.

وعلى أية حال، فإن التاريخ يعلمنا أيضاً أنه منذ بدايته، وخلال كل مرة تنشب فيها أزمة، دائما ما كان الاتحاد الأوروبي قادراً على إيجاد حلّ من خلال التزام الطريق الصحيح. البداية كانت السوق المشتركة، ثم العملة الموحدة، كلاهما وليد التصميم المشترك على التغلب على المواقف الصعبة.

وهناك من المبررات ما يكفي للاعتقاد في هذا المبدأ مجددا اليوم؛ عندما تتأزم الأمور، فسوف تنهض أوروبا أمام التحدي.

كبير مستشاري الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران