د. محمد بن هويدن
أثارت المعاملة القاسية من رجال أمن في الكويت مع متظاهرين من المعارضة، من بينهم أعضاء من مجلس الأمة الكويتي، حالة من الاحتقان الداخلي في الكويت، وحالة من التخوف الخارجي على ما سيحدث لممارسة الحريات في هذه الدولة مستقبلاً.
لقد نجحت الكويت مع تطور الحريات فيها، في إعطاء صورة إيجابية عن تجربتها الديمقراطية، ما جعلها تتبوأ مركز الصدارة في المنطقة العربية في مجال احترام الحريات. لكن ما حدث مؤخراً يثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل الحرية في الكويت، وكيفية تعامل الحكومة الكويتية مع ممارسة الحريات في هذا البلد العزيز.
وكمتابعين خارجيين لما يحدث في الكويت، نرى أن المسؤولية لما آل إليه الوضع هناك، هي مسؤولية مشتركة تتحملها الحكومة ويتحملها أعضاء البرلمان أيضاً. فبينما من المفترض أن يقوم الطرفان بحماية الحريات، نجد أن الطرفين قد أساءا للحريات، لا سيما الحرية السياسية المتمثلة في حرية المشاركة وحرية إبداء الرأي السياسي. فبينما لا تزال الحكومة غير قادرة على تحمل مبدأ الشفافية في التعامل مع الحياة السياسية في الكويت، فإن مجلس الأمة ما زال عالقاً في المصالح الشخصية والفردية، أكثر من اهتمامه بالمصلحة العليا للبلد والسعي لتحقيق الإنجازات التنموية. وبين هذا وذاك تكال الاتهامات حتى وصلت إلى حد الاعتداء الجسدي الصريح، رغم وجود حصانة لأعضاء البرلمان ووجود حق دستوري يسمح للمواطنين بالتظاهر السلمي.
نحن في دول الخليج يعنينا بشكل كبير ما يحدث في الكويت، فالكويت هي النموذج الخليجي الذي ينظر إليه كل خليجي بإعجاب، وينظر إليه كل رجل دولة للتعلم من إيجابياته وتجنب سلبياته في خططه ونظرته لمستقبل العمل البرلماني في بلده.
إن استمرار حالة الاحتقان بين الحكومة والبرلمان في الكويت، وللأسف الشديد، لن يصب في صالح التطور السياسي في دول منطقة الخليج، لا سيما تلك التي لم تخط بعد، أو تلك التي خطت بخطوات محدودة في مجال تطوير الحياة الديمقراطية في بلدانها. بالطبع استمرار هذه الحالة في الكويت يؤدي إلى زيادة المخاوف من الأخذ بالتطوير السياسي من قبل حكومات الدول الخليجية، ويجعلها غير متحمسة؛ لكن استمرار هذه الحالة قد يؤدي أيضاً إلى تململ الشارع الخليجي من تكرار حالة الغليان السياسي، وتوقف مشاريع التنمية، وتأثير ذلك على حياة المواطن الذي يرى في ارتفاع مستوى معيشته أولوية على تحسين الحياة الديمقراطية. فالتأثير ليس فقط على المستوى القيادي، وإنما قد يلحق أيضاً بالمستوى الشعبي الذي في الأساس تنقصه المعرفة بأهمية الديمقراطية، فيصبح المواطن عندها يربط الديمقراطية بحالة الغليان وعدم التقدم التنموي، كما يحدث حالياً في الكويت.
للأسف أن بعض أعضاء البرلمان الكويتي، لا يدركون خطورة تأثير ما يحدث في الكويت على التطور السياسي في دول منطقة الخليج العربي. فكويت التنوير قد لا تصبح كذلك مع استمرار تكرار حالات الاحتقان السياسي في هذا البلد. وكويت القدوة قد لا تكون كذلك، بل تتغير لتصبح كويت التحذير من التطوير السياسي!
إن ما يحدث في الكويت هو شأن داخلي، هذا ما يحاول الكويتيون رفعه من شعارات لتأكيد خصوصية تجربتهم، وهم على حق في ذلك، ولكن قرب أنظمة دول الخليج السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، من أنظمة الكويت يحتم عليها أن تكون أقرب الممارسات التي يمكن أن تلجأ لها الدول الخليجية للاعتماد عليها في تطورها السياسي، وبالتالي فإن حالة الوضع المتذبذبة سياسياً في الكويت، من الطبيعي أن تلقي بظلالها على نظرة الدول الخليجية لخططهم في مسار التطوير السياسي. فليس من الغرابة أن نجد تأجيلاً خليجياً لمشاريع الإصلاح السياسي، حيث انها ترى المشروع الإصلاحي الكويتي يلقي بظلاله على المجتمع الكويتي بالسلب، أكثر مما يثري العملية الديمقراطية بشكل خاص والحريات العامة بشكل عام. والشعار الذي يرفعه الإخوة في الكويت بأن «هذه هي الديمقراطية» وأن «ما يحدث في الكويت هو جزء من الديمقراطية»، لن يفيد الدول الخليجية الأخرى في السير نحو التطوير السياسي لمجالسها البرلمانية.
إننا ندرك كمتخصصين في الشأن السياسي، أن ما يحدث في الكويت وإن كانت فيه عناصر الديمقراطية، إلا أن تلك الديمقراطية قد دخلتها، بشكل مقصود أو بشكل غير مقصود، عناصر فساد ديمقراطي. وبالتالي فإن أول ما يمكن أن نتعلمه نحن في منطقة الخليج من التجربة الكويتية، هو أنها لا يمكن على الإطلاق أن تصلح لنا كما هي، رغم تشابهنا في الأنظمة المختلفة.
إن العمل نحو صياغة ممارسات برلمانية تتناسب وخصوصية كل دولة من دولنا الخليجية، هو الخيار الأمثل الذي سيبعدنا عن حالة الاحتقان التي تحدث في ممارسة الكويت الديمقراطية، فعلينا ألا نجعل ما يحدث في الكويت يبعدنا عن تطوير أنفسنا سياسياً.
جامعة الإمارات
