د. محمد سلمان العبودي
لم يعرف العرب والمسلمون يومين عظيمين في تاريخهم الطويل منذ نزول الوحي إلى يومنا هذا، لعب دورا في انشقاقهم على مر التاريخ، كيوم وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في العام الحادي عشر للهجرة، ومن ثم يوم عاشوراء يوم اجتث فيه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما في العاشر من محرم عام 61.
فبمجرد انتقال النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى، انقسم معسكر المسلمين إلى فريقين في مواجهة كادت تودي بأركان الإسلام التي أرساها النبي العظيم. في هذا اليوم اختلف المسلمون على مسألة من أعقد مسائل الدين والسياسة، تمثلت فيمن يخلف النبي الكريم، غير أن قوة الإيمان غلبت الفرقاء وسكت الإمام علي مع شيعته على مضض كي يحقنوا الدماء ولا تسود الفرقة بين المسلمين. لكن ما خلفه ذلك في صدور الفريقين بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يتلاش، وظل يعتمر في صدور الفريقين وتطور ليصبح أكثر عنفا ومرارة في خلافة علي، عندما نادى معاوية بن أبي سفيان الأموي بالانشقاق. وهنا لم يعد يحتمل المسلمون من كلا الفريقين السكوت، الذي سرعان ما تحول إلى مواجهة عسكرية.
ونستطيع أن نقول إنها كانت أول مواجهة علنية مسلحة من نوعها بين فريقين مسلمين، شارك قائداها في حروب الرسول (صلى الله عليه وسلم) ضد الكفار والمشركين. وتطور الخلاف بينهما حتى لم يعد مفر من أن تقع معركة الجمل، ومن ثم معركة صِفّين، بين جيش علي وجيش معاوية، اللتان دكتا إسفينا آخر وأشد في صفوف المسلمين. وانقسمت الدولة الإسلامية إلى زعامتين إحداهما في دمشق والأخرى في الكوفة، واتسعت رقعة الانقسام بين المسلمين، وكادت أن تودي بإنجازات الفتوحات الإسلامية، حيث تحولت قوة الإسلام إلى حل خلافاته الداخلية على حساب فتوحاته الخارجية. وظلت الدولة الإسلامية في حالة من التوتر الداخلي، حتى اغتيل الإمام علي على يد أحد الخوارج، وكان معاوية نفسه على قائمة الاغتيالات تلك، إلا أنه نجا.
بعد ذلك بدأ الإسلام يتحول شيئا فشيئا إلى دين سياسي، ولأول مرة عرف المسلمون مبدأ توريث الخلافة. ولم يعد يوجد في الساحة من يحمل شخصية الإمام علي ليسد الفراغ الذي تركه، ففضل ابنه الحسن المهادنة مع معاوية بعد أن كادت تتكرر دراما معركتي الجمل وصفين، وتجنبا لوقوع الكارثة التي كان يخشاها الجميع بإراقة الدماء وزيادة الفرقة.
وعندما مات الحسن، ومات معاوية بعده وأعطيت البيعة لابنه يزيد، عادت نذر الحرب تخيم على معسكري بني هاشم وبني أمية. فما هدأت الأنفس حتى بدأت مأساة المسلمين تتكرر في أقسى وأبشع صورها الدموية. فقد تحول حكم يزيد إلى ما يشبه ناقوس الخطر لدى معسكر الطالبيين، فكان قرار الحسين بن علي هو إيقاف تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمها الإسلام في إدارة شؤون المسلمين، فاتجه نحو الكوفة في جماعة صغيرة من أهله وأصحابه لم يتعدوا ثلاثين فارسا وأربعين راجلا، وإذا بهم وجها لوجه في كربلاء مع جيش يقارب الثلاثين ألف مقاتل. مع ذلك رفض الحسين الرجوع أو الاستسلام، ولا نتوقع من فارس كالحسين جده الرسول وأبوه علي أن ينهج غير ذلك. فدارت رحى الحرب بين المعسكرين غير المتوازنين من جميع الجوانب، وما هي إلا ساعات معدودة ـ وكان ذلك في يوم العاشر من محرم عام 61 هجرية ـ حتى انجلت عن مصرع حفيد الرسول (صلى الله عليه وسلم) في صورة تقشعر لها الأبدان، حيث حز رأسه وأرسل إلى يزيد بن معاوية.
واستمرت بعدها مسيرة الانشقاق تتوالى بين الفريقين المسلمين، إلى أن انتهت إلى ما انتهينا إليه في عصرنا الحاضر. وما زالت تلك الفتنة بين المسلمين الشيعة والسنة تكبر وتكبر (في العراق كما في لبنان)، حتى أخذت منحى أصبحت تهدد فيه مستقبل هذه الأمة بأسرها. وبعد أن كان الخلاف بين فريقين، تحول في يومنا الحاضر إلى صدام على مستوى الدول. وشكل تأسيس الجمهورية الإسلامية ذات المذهب الشيعي في إيران، دورا خطيرا في تغيير شكل هذا الصراع.
ولم نتعلم من دروس التاريخ أن قوة الإسلام والعرب ليست في الاستسلام والتفرقة والثأر، بل في التوحد أيا كانت مذاهبهم، ونسيان ما حدث في التاريخ البعيد (أو القريب) من اقتتال وخلافات. وأن يكون الاختلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية. فالاختلاف بين الشيعة والسنة منذ وفاة الرسول الكريم حتى يومنا هذا، هو اختلاف في فهم أو عدم فهم بعض النصوص والأحاديث والمواقف، واختلاف في التفسيرات، غير أن الدين واحد والقرآن واحد والنبي واحد. وحتى عدو المسلمين (شيعة وسنة) هو عدو واحد، استطاع أن يضرب على هذا الوتر الحساس ليشغلنا عن أنفسنا ويتحكم في أقدارنا ويحدد مصيرنا.
لقد شعرت بالغبطة رغم حزن الموقف، وأنا أشاهد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان السني المذهب والملة، قد ذهب شخصيا ولأول مرة في تاريخ تركيا، للمشاركة في أحد مجالس العزاء عند الشيعة الأتراك للاحتفال بذكرى استشهاد الإمام الحسين.. وهكذا حصل في لبنان، وربما في العراق والبحرين وغيرها..
إن الوقت يمر، والتحديات التي تهدد العالم الإسلامي، أكبر من أن نتحملها متفرقين مشتتين متحاربين. إن الإسلام كل الإسلام، في حاجة لكل شيعي وكل سني ولكل مسلم أيا كان مذهبه، لتقويم الاعوجاج الذي أصاب أسواره منذ مقتل الإمام الحسين وقبله. فلم لا نجعل من تلك المناسبة السنوية مناسبة لتصفية القلوب بين الشيعة والسنة باختلاف أطيافهم؟
إن الخطوة الأولى هي الأصعب.. فلم لا نتجاوزها إلى ما بعدها؟
جامعة الإمارات