لأن حركة التاريخ تتشابه ولا تتكرر، فما أشبه اليوم بالبارحة!
ففي الأول من يناير القادم يحتفل السودان، بشماله وجنوبه، بيوم الاستقلال الرابع والخمسين عن الاستعمار البريطاني، الذي كان يحتل مصر والسودان معا، وعمل جاهدا طوال فترة الاحتلال على فصل مصر في شمال الوادي عن السودان في جنوبه تحت لافتة «الحكم الثنائي»، وعلى فصل شمال السودان عن جنوبه تحت نظام «المناطق المحرمة». وهو نفسه يوم الفصل بين السودان ومصر عام 1956، بإنهاء البرلمان السوداني لما كان يسمي بالحكم الثنائي، واعتراف مصر باستقلال السودان تطبيقا للاتفاق بين مصر وبريطانيا بعد قيام الثورة، على الجلاء عن السودان، ورفض بريطانيا الجلاء عن مصر في هذا الاتفاق إلا بعد تقرير مصير السودان.
وبعد ذكرى يوم الاستقلال بأسبوع، في التاسع من يناير المقبل، سيكون السودان على مفترق طرق، وفيه إما يواصل السير صعودا إلى الأمام في اتجاه حركة التاريخ على طريق السودان الموحد الأعراق والديانات والثقافات والألوان، كما تجلت دوما ملامحه التي كانت مصدر ثرائه وقيمته.. أو سقوطا في ذات الفخ بالالتفاف إلى الخلف سيرا في الاتجاه المعاكس، ليقسم الوطن إلى قسمين، بين شمال عربي إسلامي، وجنوب إفريقي مسيحي، ويقسم قوته وثروته إلى قسمين تفصلهما الأسلاك الشائكة، خصما من أسباب قوته وقيمته وتنميته التي لا تتحقق إلا باستمرار وحدته.
وبالتأكيد سيكون يوم تقرير مصير جنوب السودان بلا شك يوما جامعا أو فاصلا، بين مزيد من الوحدة والقوة أو مزيد من الانقسام والضعف، ليس في مستقبل ومصير السودان وحده بجنوبه وشماله، بل أيضا في مستقبل ومصير محيطه الجغرافي العربي والإفريقي وفي مقدمته مصر.. وذلك بما يمكن للانفصال المراد له أن يقع، أن يشكله من سابقة جديدة لتقسيم الدول على أسس دينية أوعرقية، كما خطط المستعمرون القدامى بالأمس في ذلك المحيط متعدد الديانات والأعراق، المطلوب تقسيمه للسيطرة عليه ونهب ثرواته، وكما يخطط المستعمرون الجدد إسرائيل وأميركا اليوم.
وهنا نذكر بـ«الاستراتيجية الأميركية في السودان» التي أعلنها الرئيس الأميركي ووزيرة خارجيته قبل عام، والتي لم تخف إصرارها على فصل الجنوب عن الشمال، وربطت بين حل مسألتي جنوب السودان وغربه في ذات الاتجاه، وهددت بمزيد من العقوبات إذا لم يتجاوب السودان مع متطلباتها بتسهيل انفصال الجنوب، كما لوحت ببعض الحوافز إذا تحقق الانفصال دون عراقيل!!
وليس لهذا من معنى سوى أن الضغط الأميركي والسعي الإسرائيلي كان دائما في اتجاه فصل الجنوب عن الشمال تنفيذا لاستراتيجية مشتركة، وما العقوبات، ولا تفجير الصراع في دارفور، ولا اتهامات المحكمة الدولية الموجهة للرئيس البشير.. إلا وسائل ضغط متعددة لإنفاذ مخطط التقسيم، ليكون منطلقا لهما للضغط على مصر والسودان معا.
ولأن المقدمات تؤدي إلى النتائج، ولأن الهدم أسهل دائما من البناء، فإن هناك الكثير من المتربصين بوحدة السودان يريدون، والكثير من المراقبين يتوقعون، تكرار ما حدث من انفصال بين شمال الوادي وجنوبه، فإن انفصال الجنوب عن الشمال إن وقع لن يكون نهاية الطريق، بل سيكون بداية لمزيد من الانقسامات، ربما بداية بدولة الجنوب ذاتها، وما حولها بدوافع قبلية وعرقية ودينية!
وهنا لابد ألا نتجاهل طبيعة العلاقات القبلية في جنوب السودان حسب الأقاليم الثلاثة الكبيرة، الاستوائية وأعالي النيل وبحر الغزال.. وعلاقة قبائل الجنوب الأخرى بقبيلة الدينكا المهيمنة، حيث يضم جنوب السودان ثلاث مجموعات سلالية مختلفة هي: النيليون، والنيليون الحاميون، والمجموعة السودانية. ومن هذه السلالات انحدرت قبائل الجنوب السوداني مشكلة نسيجا اجتماعيا مختلفا ومعقدا. وكما تشير الدراسات فقد أثر الانتماء القبلي على قضية جنوب السودان، سواء على صعيد العلاقات الداخلية المتباينة بين قبائل الجنوب، أو على صعيد العلاقات الخارجية المتشابكة بامتداداتها القبلية مع دول الجوار.
فعلى الصعيد الداخلي مثلا، فإن أي انشقاق أو انصهار تعرفه الحركة الشعبية لتحرير السودان، غالبا ما يعكس تفاعل البنية الاجتماعية ومدى الترابط أو التنافر بين مكوناتها.
أما خارجيا فإن قبائل الجنوب السوداني لها امتداداتها في أوغندا وإثيوبيا وكينيا والكونغو، وهذا ما يفسر سهولة تحرك الجيش الشعبي لتحرير السودان في حدود الدول المجاورة.
وإذا كان هذا الاستفتاء الذي سيتقرر فيه مصير الجنوب، هو تطبيق لاتفاقية «نيفاشا» الموقعة عام 2005 بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، فإن هذه الاتفاقية التي تلزم بإجراء الاستفتاء، تلزم في نفس الوقت الحركتين الموقعتين بالعمل لدعم خيار الوحدة، كما لم تنص على ما يردده بعض الساسة والإعلاميين الأميركان والغربيين عموما، من أنه استفتاء «انفصال الجنوب»، ولكنه اختيار بين الوحدة والانفصال. غير أن موقف الحركة الشعبية التي تحكم كل الجنوب، وتشارك الحكومة الشمالية في نصف حكم الشمال، وتشارك جميع ولايات الشمال في ثرواتها بنسبة كبيرة، كشفت تصريحات مسؤوليها الأخيرة أنها ستصوت للانفصال، وهو ما يخالف التزاماتها مع الاتفاقية، وما يوافق الهدف الأميركي! وهنا نريد أن نذكر بأن حل مشكلة الجنوب كان مثار اهتمام عربي وإفريقي، ودار التنافس فيه بين «المبادرة المصرية الليبية» لحل الشمال والجنوب معا، ومبادرة «الإيغاد» لحل مسألة الجنوب فقط، وأسهمت الضغوط الصهيو أميركية استبعاد المبادرة العربية وتمرير الإفريقية، لغرض في نفس يعقوب!
بقي في النهاية أن نؤكد أن مخططات التقسيم لا سبيل لمواجهتها بالاكتفاء بكشف المؤامرات الاستعمارية الجديدة، ولا بالبكاء على اللبن المسكوب، ولا بالحروب الأهلية، وإنما بالتحرك الفوري والجاد والمخلص، لتطبيق مخططاتنا للتوحيد والسعي العملي لبناء الاتحادات الكبرى العربية والإفريقية..
وهنا أتساءل؛ لماذا لا تتحرك مصر وليبيا الأقرب إلى السودان والأكثر تضررا من تقسيمه، مرة أخرى لإحياء «ميثاق طرابلس الاتحادي» بالسعي من الآن للاتحاد مع شمال السودان إن اختار الجنوب أو فرض عليه الانفصال، أو مع كل السودان إذا انتصرالعقل واستمرت الوحدة؟..
فالتقسيم سيؤدي إلى مزيد من التفتيت بلا نهاية، وبناء المشاريع الاتحادية سيؤدي إلى مزيد من الوحدة بلا حدود.. وحينها فقط ستكون الوحدة بالفعل «خياراً جاذباً».. واسألوا كل المتحدين الكبار في العالم، إن كنتم لا تعلمون.
كاتب مصري
