الحديث عن حقوق الإنسان حديث يملأ سمع العالم وبصره، وبات الشغل الشاغل لكثير من الجهات وثيقة الصلة بذلك، أو التي ندبت نفسها لتقييم الدرجة التي وصل إليها هذا المبدأ في الدول والشعوب والمجتمعات. ولا شك أن النضج الإنساني الحضاري الذي عم العالم عموماً، مهد الطريق لأطروحات تمحيص حقوق الإنسان والدفاع عنها وتعزيزها، بما يخدم الرقي البشري ويواكب ما وصلت إليه المجتمعات من درجات الحضارة. والإمارات لم تكن في يوم من الأيام بمنأى عن مواكبة هذه التوجهات والدعوة إليها، بل والدفاع عنها، ليس لأنها متطلب عالمي تفرضه الأعراف والقوانين الدولية فحسب، بل لأنها جزء أصيل من بناء الفكر المجتمعي في الدولة ومؤسسيها، والثقافة الإنسانية لشعب الإمارات نظراً لما تمليه عليه أصالته وتراثه المليء بشواهد الاعتداد بالإنسان قيمة وجوهراً ومنطلقاً للنهضة والحضارة، ولا أدل على ذلك من البيان الخالد الذي أطلقه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، في تحديده للثروات التي تحفل بها الإمارات ودرجات قيمتها ومن يتربع على عرش تلك الثروات، فقال: «الإنسان هو أغلى ثروة يمتلكها الوطن»، وهذا المبدأ ظل حادياً لجميع المخلصين من الخلف الصالح الذين حملوا لواء تقدير الإنسان وكرامته والحفاظ عليها، وساروا على النهج القويم الذي يضمن سلامة صون حقوق الإنسان وحمايتها.

واليوم أصبح العمل بمقتضى شيوع مبادئ حقوق الإنسان ورعايتها، استراتيجية وطنية شاملة تنتهجها الإمارات وتدافع عنها، وتسبغ ملاءتها على كل من عاش على تراب هذا الوطن أو زاره أو أقام فيه، في تقدير لجوهر الإنسان منطلقا ومتحررا من قيود الجنس أو العرق أو اللون أو الانتماء أو أي مقياس بشري آخر، إلا النظر إلى الإنسان كقيمة لها كل ما تستحق من التقدير والاحترام، ما دام يحرص على تقديم ما ينفع المجتمع ويحرص على مكتسباته ويزيد في مقومات بنائه ورخائه وتطوره.

وما يثلج الصدر في المستوى الذي وصلت إليه ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع، نتيجة جهود القادة والمؤسسات والجمعيات المتخصصة بهذه القضية، أن هذه المبادئ انتشرت في المجتمع بكل أطيافه وبدأ الكثيرون سواء كانوا مواطنين عاديين أو مسؤولين في شتى أجهزة الدولة المختلفة، يتجاوبون بإيجابية كبيرة مع ضرورات ومستلزمات هذه المبادئ والإحاطة بغاياتها الإنسانية، ويقدرون ما ترمز إليه جمعيات حقوق الإنسان، لا سيما العاملة في الدولة، من بعد حضاري يليق بمكانة الإمارات وما تحتله من منزلة في المجتمع الدولي. والإمارات منذ تأسيسها كانت مفتوحة الصدر واسعة الأفق لجميع الراغبين في العيش على ثراها، ويشهد لهذه المنظومة الإنسانية الرحبة واقع الحال الذي تعيشه الجاليات في الوطن، لاسيما إذا علمنا أن هناك ما ينوف على مئتي جنسية عالمية تتعدد مشاربها وأهواؤها وتوجهاتها ودياناتها وأفكار أصحابها، في لوحة موزاييكية بديعة تقدر مكانة الإنسان كإنسان وتعلي من شأنه، بغض النظر عن خلفيته الثقافية التي يحملها، ما دام محققاً في ذاته وتعامله احترام حقوق الإنسان وحرية المجتمع الذي يعيش في أكنافه، ويسعى مع الآخرين لبناء الوطن والحفاظ على منجزاته ومكتسباته، في دلالة واضحة على أن الإمارات لا مكان فيها لأصحاب الأفق الضيق المحدود، ولا موطن فيها للمتحيزين الذين يتجاهلون الآخرين.

وعلى الدوام ظلت الإمارات من أكثر دول العالم التي عملت بجد لكفالة حقوق الإنسان، وتوفير كل السبل لرفاهيته والنهوض بقدراته نحو الأفضل. ولعل من مؤشرات الالتزام المبدئي الذي لا يتزحزح بمبادئ حقوق الإنسان، ما تضمنه البيان الختامي للدورة الحادية والثلاثين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي احتضنته أبوظبي، من أن المجلس الأعلى بارك إنشاء مكتب حقوق الإنسان لمجلس التعاون، ضمن جهاز الأمانة العامة، والذي يختص بالعمل على إبراز ما حققته وتحققه دول المجلس من إنجازات في مجال حقوق الإنسان، وهي خطوة بلا شك على الطريق الصحيح، لاسيما بعد أن أصبحت بعض أجهزة الإعلام تثير فقاعات انتهاك دول الخليج لحقوق الإنسان في التعامل مع العمالة الوافدة، وما تتصيده بعض الجهات من أخطاء فردية لتعممها وتبالغ في تقديمها للرأي العام، وكأنها انتهاك منها لحقوق الإنسان وليس عيوباً سلوكية في بعض الأشخاص، وهو ما يحدث في كل الدول حتى تلك التي ترفع شعار تبنيها ورعايتها لمبادئ حقوق الإنسان.

وإذا نظرنا إلى دولتنا حديثة العمر في مقاييس الدول الكبرى، نجد أن الخطوات نحو التطور الاجتماعي والتطور في التشريعات التي توفر للإنسان الحياة الأفضل، كانت تسير جنباً إلى جنب مع تلك التي تهتم بالعمران والنهضة، وغدت الدولة تواكب الكثير من الدول المتقدمة في هذا الشأن، ما يؤكد الحرص على ترسيخ هذه المبادئ والدفاع عنها وحمايتها.

مديرة تحرير مجلة «بنت الخليج»