شاركت الإمارات المجتمع الدولي في الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة مرض نقص المناعة المكتسب «الأيدز»، في أواخر شهر نوفمبر الماضي.. وذلك تضامناً مع الجهود الدولية الرامية للسيطرة على وباء نقص المناعة البشرية، والذي يعد من أكثر الامراض خطورة على مستوى العالم، بسبب سرعة انتشاره وتفشيه.. لدرجة أنه يتعذر وجود دولة من دول العالم تخلو من هذا المرض الفتاك، الذي ما زالت منظمة الصحة العالمية «WHO» تبني شراكات استراتيجية مع كل دول العالم لمحاصرته، مع إعطاء الأولوية في تدابير المكافحة لإنجاح السياسات الوقائية، مع الاهتمام بأساليب العلاج وإعادة التأهيل.
وتشير التقارير المنشورة إلى تقديرات إحصائية تفيد بأن هناك نحو 33,2 مليون شخص مصابون بهذا المرض اللعين، وأن ما يربو على 2,5 مليون فرد أصيبوا بالمرض خلال عام ،.2007 سواء في إفريقيا جنوب الصحراء أو الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما هو الحال في شرق وجنوب شرق آسيا وغربها ومناطق أخرى من العالم.. ومع ان المجتمع الدولي ومنذ نهايات القرن الماضي، عرف عدداً من الاوبئة والأمراض الفيروسية وأمراض الدم المنقولة، بدءاً من حمى الوادي المتصدع وجنون البقر وانفلونزا الطيور، ثم انفلونزا الخنازير.. إلا أن الخطر الحقيقي الذي يهدد المجتمع الدولي، إنما يكمن في فيروس «الأيدز» الذي ما زالت اكبر مختبرات العالم تعمل ليل نهار في محاولة لاكتشاف ترياق يقضي عليه.
إن القارئ لتقارير منظمة الصحة العالمية التي صدرت بمناسبة اليوم العالمي لمرض نقص المناعة المكتسب، يجدها تطالب كافة دول العالم ممثلة في الحكومات ومنظمات المجتمع المدني، بضرورة تكاتف الجهود لتبني استراتيجيات وطنية للوقاية من مخاطر مرض «الأيدز».. إذ وردت إشارات لتجارب بعض الدول التي سارعت بإنشاء شبكات وطنية للوقاية من المرض، كما حدث في تايلاند التي انشأت الشبكة الوطنية للأشخاص المصابين بمرض الأيدز.. وفي بلدان اخرى عديدة، حيث ساهمت المنظمات الاقليمية والدولية في جمع الدروس المستفادة من الدول الناشطة في مكافحة هذا المرض.. وأقامت ورش العمل والندوات والمحاضـرات والزيارات الميدانية للمدارس الابتدائية والثانوية، لارشاد الطلاب والعمل على تبصيرهم بتدابير الوقاية من مرض الأيدز.. باعتبار ان المراهقين والشباب في مقتبل العمر، هم فئة مستهدفة لا بد ان تعطى الاولوية في أي جهود تبذل لمحاصرة هذا المرض. فالشباب في أي مجتمع يمثلون نحو 45٪ من إجمالي عدد السكان.. وإصابة أي اعداد منهم بهذا الفيروس تعتبر كارثة، سوف تلحق اضراراً بالغة برأس المال البشري، كما ستعيق لا محالة عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وهنالك دراسات علمية قام بها فريق من لجنة البحوث الطبية في مدينة الشيخ خليفة الطبية، أكدت أن نسبة عالية من سكان الإمارات يعانون من مضاعفات مرض السكري، وهي الأعلى في المنطقة، وان أعداداً متزايدة من السكان في سن الثلاثين وما فوق، معرضون للذبحات الصدرية بسبب تزايد الضغط النفسي والعصبي، وبسبب تزايد المدخنين، خصوصاً بين أوساط الشباب. ومن جهة أخرى يشير التقرير السنوي للدوائر الصحية إلى أن نسبة الإصابات بمرض نقص المناعة المكتسب في الإمارات، تعتبر متدنية وفي تراجع مستمر.. ويعزى ذلك إلى حملات التوعية والإرشاد الصحي، التي باشرتها وزارة الصحة الاتحادية والدوائر الصحية المحلية.. كما ان وعي المواطنين ومعرفتهم التامة للعوامل المسببة والناقلة للمرض، جعلتهم أكثر حرصاً في وقاية أنفسهم من الإصابة به.
ولا بد لنا أن نشيد بالمبادرات التي قام بها الكثير من الوزارات والدوائر والمؤسسات ذات العلاقة، كالهلال الاحمر (الهلال الطبي)، والتي ساهمت ولا تزال في الارتقاء بوعي الشباب بمخاطر مرض نقص المناعة المكتسب «الأيدز»، باعتباره من أخطر الأمراض المستعصية التي عرفتها البشرية.
وفي اعتقادي أنه لا بد من بذل مزيد من الجهد لتقليل الإصابة بهذا الفيروس والقضاء عليه في مجتمعنا.. والسبيل الأمثل كما أرى، ان تتضافر جهود الدولة مع الجمعيات الخيرية والمنظمات الاهلية، وعلى نحو خاص الجمعيات ذات النفع العام.. وذلك لتأسيس شبكة وطنية للوقاية من مرض نقص المناعة المكتسب وغيره من الأمراض الفيروسية وأمراض الدم المنقولة.. حتى تثمر هذه الجهود ليكون مجتمع الإمارات خالياً من هذا المرض.. فالصحة تعتبر احدى أهم القواعد التي تبنى بها وعليها تنمية رأس المال البشري.. وكما هو معلوم فإن غاية أي دولة وأي مجتمع، هي الاستثمار في رأس المال البشري باعتباره المكون الأساسي لمخرجات عملية التنمية المستدامة، فالبشر هم وسيلة التنمية وغايتها.. والارتقاء بمؤشر التنمية البشرية في أي مجتمع، يبقى دوماً رهين توفر خدمات التعليم والصحة... وكما هو معلوم، فإن صحة المجتمع من صحة مواطنيه.
كاتبة إماراتية