عروبي جديد
هل العرب بمسلميهم ومسيحييهم في حاجة إلى طرح فكري معاصر لاهوتي الهوى إنساني الهوية، يلائم ويوائم الأوطان العربية في الحال والاستقبال؟
لعل أفضل من تصدى للجواب عن هذا السؤال كان الأب اللبناني «مشير باسيل عون»، في كتابه القيم والمثير «الفكر العربي الديني المسيحي.. مقتضيات النهوض والتجديد المعاصر»، ويدعو فيه إلى إعادة صياغة فكر عربي مسيحي يواكب العصر، ضمن السياق العربي. وبمعنى ما فإنه لا يمكن ان ينفصل الفكر اللاهوتي عنده عن قضايا الإنسان، فعلم اللاهوت والذي هو خلاصة إعمال العقل في الحقائق الإيمانية، ليس مجرد علم نظري همه الأول البحث في الإلهيات والماورائيات من ميتافيزيقا الكون والإله والإنسان، بل في صلب اهتمام يأتي الإنسان، وعليه أن يقدم أجوبة للعالم المعاصر، حول أهمية الدين وأهمية الفكر الديني في معالجة مشكلات الإنسان المعاصر، وخصوصا في عالمنا العربي. وبمعنى أن اللاهوت المسيحي المعاصر الذي يوجه الفكر الإنساني، وخاصة في الشرق العربي، في حاجة إلى تجديد جوهري للتعاطي مع قضايا الساعة التي تتماس وجوهر الإنسان العربي المقهور، من عينة الديمقراطية وحقوق الإنسان وكرامة الأسرة ومناهضة الرأسمالية المتوحشة، إلى آخر المنظومة التي من شأنها ترقية الإنسان بوصفه أسمى المخلوقات، وليس بكونه أداة أو ترساً في ماكينة المجتمعات المعولمة الحداثية.
دعوة التجديد هذه تسعى، إن جاز التعبير، إلى تخليق لاهوت عروبي خاص، يكون فيه الفكر المسيحي العربي موصلا ايجابيا بين حضورهم التاريخي كجذور في الأرض، وانفتاحهم على الآخر كجسور مع الغرب. هذا الدور ينبثق من إرثهم العربي المسيحي التاريخي، ولا بد لهم من تحديثه لتحرير الثقافة العربية جمعاء، من مخاطر الانغلاق والتقوقع والانعزال عن حركة الفكر العالمي والتقابس الحضاري، ومن مخاطر الإعراض عن الإسهام الفعلي في رسم صورة الإنسانية في الألف الثالثة. وهو لاهوت يسعى إلى استخراج أفضل المعاني الإنسانية التي يتوسل بها الفكر العربي الحاضر للتعبير عن كرامة ووجود الإنسان العربي، والتي ينبغي ان تحمل في تضاعيفها القدر عينه من الأمانة لروح التراث العربي الإسلامي المسيحي، ومن الانفتاح على إسهامات الفكر العلمي التي استخرجت من تراثات معظم الأمم والشعوب، فأجمع اغلب الحضارات على تحديد الكثير من معاني الكرامة والحرية والحقوق والواجبات، والالتزام والقيم والمثل التي تنطوي عليها هذه الإسهامات.
وخلاصة القول ان الفكر المسيحي العربي في محاولته للنهوض من الكبوة التاريخية التي ألمت بالأمة عموما، عليه ان يعي ان الأوطان العربية تسودها حقائق المرجعية الدينية القرآنية، وعناصر المرجعية الثقافية العربية، لهذا فهم مدعوون للمواءمة والملاءمة بين شهادتهم الإيمانية وفكرهم، تكييفا يوائم مقتضيات الانتماء إلى مثل هذا المجتمع.
في هذا السياق يتحتم إذن ان ينشأ فكر مسيحي عروبي جديد، إذا أردنا تجديد مياه الفكر العربي بمطلقيتها. ومؤكد ان للغالبية الإسلامية في الأوطان العربية، دوار بالغا، إما في زخم هذه الحركة بقبول المسيحيين العرب ضمن صفوفهم، أو بعزلهم وإقصائهم ودفعهم للهجرة خارج حدود الأوطان التاريخية التي عاشوا فيها، ويفضلون أبدا ودوما ان تكون مقرا ومستودعا لهم.
وفي المقابل، كما يؤكد على ذلك الأب الفرنسي «جان كوربون» في كتابه «كنيسة المشرق العربي»، يبقى على المسيحيين العرب (اكليروس وعلمانيين) الاختيار بين ان تكون كنيستهم كنيسة العرب وإما الزوال، ولا تبصر كنائس العرب والمسيحيين العرب هذا الاختيار، إلا بمقدار ما تتحرر من الزوال؛ انطفاء أو هجرة أو إبادة تتصلب في الخصوصيات، وتضيف مرحلة جديدة إلى مراحل زوالها.
لقد انقضى عشرون قرنا في هذا الاتجاه، ولا يزال البعض يرى ان القرن الجديد يجب ان يتبع الاتجاه نفسه. وقد تحجم الكنائس عن ان تصير «كنيسة العرب»، خوفا من الأكثرية المسلمة، وتفاديا لأخطار الوحدة المسيحية، فتتصلب في هويتها، لكن النتائج تبقى هي هي زوالا بزوال.
ما الذي توجب عمله في هذا السياق التنظيري الفكري؟
بادئ ذي بدء، لا بد من كسر حلقة الخوف، ويكون ذلك إذا ما وقفنا مع الواقع وجها لوجه. والغاية ان تسهم هذه الوقفة في التحرر بواسطة الحقيقة، فالخوف من الزوال لا يمكن طرده إلا في شراكة «كنيسة العرب» مع الآخر المغاير، ومع الشعب الذي من اجله وجدت، والخوف من أعدى الأعداء على الحضور الآني.
وعلى الصعيد الإسلامي، يتوجب ان يسود مفهوم الشراكة الحقيقية، في إطار من الفهم الكوسمولوجي الأوسع، والإسلامي العروبي بالمعنى الفسيح. فالمشاركة والفكر العربي المسيحيان، ليسا تحصيل حاصل، بل هما لبنة أساسية في مخططات الإبداع العروبي إذا شئنا النهوض، وتراجع أو اختفاء الدور العربي المسيحي لن يصب إيجابا بالمطلق، بل ان الاختصام الواضح بين الأقلية والأغلبية، ينعكس سلبا على قضايا العرب، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، فالذين سمعوا بها من وجهة نظر الأسقف المناضل هيلاريون كابوتشي، حتماً وجدوا لديه مصداقية ما، تضاف إلى مصداقية شركاء النضال في الداخل والخارج. وتراجع الدور المسيحي الفكري والعلمي في حركة النضال الوطني بشكل عام والفلسطيني على نحو خاص، اختزل أو قارب اختزال القضية في ثوب وإطار دينيين، ولولا قلة من مفكرين ومناضلين فلسطينيين مسيحيين، من أمثال الدكتور عزمي بشارة ود. حنان عشراوي، لأضحت قضية النضال اللاهوتي العربي أثراً بعد عين، في حين ان مجتمعات مسيحية أخرى في منطقة مثل أميركا اللاتينية، استطاعت وعبر قراءات حداثية دينية خلق «لاهوت التحرير» من استمرار النضال. وليس عجيبا في هذا السياق، ان يخلع احد أساقفة أميركا اللاتينية (الباراغواي) أثواب الكهنوت، ويطلب التحلل من التزاماته الدينية ليخوض الصراع على الرئاسة في بلده ويفوز..
ويتبقى علينا البحث عن ماذا لدى هؤلاء من تجربة ناجعة، ولماذا قصرت بنا السبل في فهم ما ينبغي له أن يفهم؟
كاتب مصري