على ما يبدو فإن حسن نية روسيا تجاه الغرب، يفهمها البعض منهم على أنها سذاجة يمكن التحايل عليها، ويبدو كذلك أن هناك في أوروبا من يكرس جهده لوضع خطط مستقبلية، تهدف لإبعاد روسيا من أسواق الطاقة الأوروبية، أو على الأقل شل يدها عن التحكم في توزيع منتجاتها من الطاقة في القارة الأوروبية، التي باتت تعتمد على مصادر الطاقة الروسية بنسبة تتعدى الخمسين في المائة، سواء من الغاز أو النفط. وهناك أيضا من يسعى لإقناع الأوروبيين بأن خطوط الغاز الروسية التي تمتد الآن في شمال ووسط وجنوب أوروبا، سوف تتحول في المستقبل إلى أغلال في أعناق الأوروبيين، تجعلهم أشبه بالعبيد الخاضعين لروسيا توجههم كيفما تشاء. وليس أدل على ذلك مما يكتبه بعض الصحف الأوروبية المغرضة، قائلة بأن «روسيا ليست تاجر طاقة عاديا مثله مثل تجار النفط في الشرق الأوسط، بل هي دولة كبرى لها طموحات إمبراطورية تمتد من الشرق إلى أقصى الغرب».

وهذا يعني أن جهود روسيا للتقارب والانفتاح على الغرب، تقابل بسوء نية من قبل عقول ما زالت تهيمن عليها أيديولوجيات الحرب الباردة. وقد أعلن رئيس الحكومة الروسية فلاديمير بوتين، خلال مؤتمر اقتصادي نظمته صحيفة «زود دويتشي زايتونغ» الألمانية في برلين، استعداد الشركات الروسية لاستثمار أموالها في أوروبا، ولكنه أشار إلى أن الشركات الروسية تواجه المقاومة السياسية. وذكر بوتين على سبيل المثال، أن السلطات السياسية الأوروبية لم تسمح للتحالف المتكون من مصرف «سبيربنك» الروسي وشركة «ماغنا» الكندية، بشراء ‬55٪ من أسهم شركة «أوبل» الألمانية، ولم تسمح لشركة «سورغوت نفط غاز» الروسية، بإدخال ممثليها إلى غرفة قيادة شركة «مول» المجرية، رغم أن الشركة الروسية تملك ‬21,2٪ من أسهم الشركة المجرية.

وأكثر ما أثار حفيظة بوتين هو الوثيقة الجديدة المنظمة لسوق أوروبا للطاقة، هذه الوثيقة التي عكفت على إعدادها جهات أوروبية لا تكن أي ود لروسيا، وتحظر بنود هذه الوثيقة تملك موردي النفط والغاز للأنابيب التي يضخ الغاز والنفط عبرها إلى المستهلكين. ومن المقرر أن تصبح هذه الوثيقة قانونا يسري مفعوله ابتداء من عام ‬.2013 ومن الواضح أن هذه الوثيقة تستهدف في الأساس خطوط أنابيب الغاز الروسية، التي تمدها شركة غاز بروم الروسية شمالا وجنوبا في أوروبا لنقل الغاز الروسي، وهو ما يعني أن روسيا التي تنفق المليارات من الدولارات على بناء خطوط الأنابيب، سوف تذهب أموالها هباء ليضع الأوروبيون أيديهم بقوة القانون على هذه الخطوط، وتصبح روسيا مجبرة على توريد الغاز خلال أنابيب لا تملكها ولا تتحكم فيها! ويهدف هذا القانون، في رأي رئيس الوزراء بوتين، إلى إرغام شركة «غازبروم» الروسية على بيع خط أنابيب الغاز المسمى «التيار الشمالي»، الذي تقوم الشركة الروسية بأعمال بنائه بالتعاون مع شركتين ألمانيتين. ويرى الخبراء الروس أن هذا القانون المنتظر، يقبر خطط شركة «غازبروم» للسيطرة على أكبر عدد ممكن من منشآت نقل وتوزيع الغاز في أوروبا.

الحقيقة أن هذا القانون لن يضر بمصالح الشركة الروسية فقط، بل سيمس مباشرة المستهلك الأوروبي للغاز الروسي، والذي سيزيد عليه سعر الغاز بشكل كبير، وهو ما شرحه بوتين في مؤتمر صحفي مشترك مع المستشارة الألمانية انغيلا ميركل، حيث قال إن وضع هذا القانون سيزيد أسعار بيع الغاز في أوروبا الغربية، إذ «ستجلس ثلاث شركات أو أربع أو خمس بين منتج الغاز والمستهلك»، وقد تساءل بوتين في المؤتمر مخاطبا الأوروبيين، عن المحروقات التي يريدونها وهم يرفضون الغاز ولا يطورون صناعة الطاقة النووية!.. وقال لهم بوتين ساخرا: «هل تريدون تدفئة منازلكم بالحطب؟ لكنكم لا تملكون الحطب، وعليكم أن تستوردوه من سيبيريا أيضا».

ووعدت ميركل بأن ألمانيا ستتعامل مع هذه القضية بليونة، وتطالب المفوضية الأوروبية بالتعامل بشكل أكثر لياقة وليونة مع المنتجين، وخاصة روسيا التي تريد أوروبا التقارب معها في كل شيء، وليس في قطاع الطاقة فقط، وأشارت ميركل إلى أن برلين تعارض منع موردي الغاز من تملك منشآت البنية الأساسية.

الهدف الأول لروسيا والأوروبيين من إنفاق المليارات على بناء شبكات خطوط طويلة لنقل الغاز مباشرة من روسيا إلى مدن أوروبا، هو خفض أسعار بيع الغاز إلى المستهلك. ولكن من الصعب، وربما من المستحيل، أن يتم تحقيق هذا الهدف في المستقبل القريب، على الأقل في الوقت الذي تواصل فيه نفقات منتجي الغاز الطبيعي المسال ارتفاعها.

ويجب في المرحلة المقبلة أن يفاوض الأوروبيون شركة «غازبروم» التي تدير الصادرات الروسية من الغاز، لأنها قادرة على إعادة النظر في مشروع خط الغاز الشمالي، وفي إمداد أوروبا بالغاز عموما.

لا يخفى على أحد مدى حاجة شعوب العالم للطاقة، وعلى رأسهم الأوروبيون الذين يعيشون معظم شهور السنة في طقس بارد، ولديهم إنتاج صناعي ينمو باستمرار ويحتاج لمصادر الطاقة، ولا يخفى على الأوروبيين مدى حاجة الدول المجاورة والقريبة من روسيا في القارة الآسيوية لمصادر الطاقة، وتنافس هذه الدول على السوق الروسية للاستحواذ على أكبر كمية من صادراتها من الطاقة، لدرجة أن دولتين مثل الصين واليابان تتنافسان في عروض الاستثمارات في قطاع الطاقة الروسي، بهدف الحصول على الغاز والنفط من روسيا.. ورغم هذا يذهب الأوروبيون للتحايل ووضع الخطط والقوانين المضرة بمصالح روسيا!

 

خبيرة روسية في شؤون الطاقة