بدء التعامل بالعملة الأوروبية الجديدة «اليورو» في اليوم الأول من العام الجديد 2002 أدى بالضرورة إلى خلق موازين اقتصادية دولية جديدة، لأن العملة الجديدة أصبحت المتحدث الرسمي «المالي» باسم اقتصاد يبلغ حجمه 650 مليار يورو، والشعار الموحد لسوق تجاري داخلي لما يقرب من 300 مليون مواطن (مستهلك) يعيشون في 12 دولة قرروا التخلي عن شعاراتهم الوطنية المرسومة في عمولاتهم المختلفة لصالح وطني أعلى، وقبلوا بوجود بعضها على العملات المعدنية الصغيرة.

«اليورو» ليس مجرد عملة ورقية أو معدنية قررت الدول الأعضاء إحلالها محل عملاتهم الوطنية، بل هي عملية أخيرة في سلسلة من العمليات الناتجة عن قرارات سياسية لها آثارها الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة داخليا، أي في نطاق الدول الأعضاء التي قررت بدء التعامل بهذه العملة، وخارجيا، أي أنها سوف تجبر الكثير من الدول التي تتعامل اقتصاديا مع مجموعة «دول اليورو» على التعامل من خلال هذه العملة، وإحلالها محل عملات أخرى كانت مقبولة في التبادل التجاري البيني، سواء بالاستيراد منها أو التصدير إليها. منافسة الدولار أول النتائج المترتبة على هذه العملة الجديدة أن اصبح هناك منافس قوي للعملة الأمريكية «الدولار»، تلك الورقة الخضراء التي تربعت على عرش الاقتصاد العالمي طوال عقود كانت فيها واشنطن المركز الاقتصادي العالمي الذي يجب أن تمر عبره جميع عمليات التبادل المالي في العالم كله، حيث لا يوجد دولار واحد ينتقل من دولة إلى أخرى، أو من بنك إلى آخر إلا عبر البوابة الأمريكية، وما يعنيه هذا بالطبع من فوائد «مجانية بلا مقابل» كانت تعود على البنوك الأمريكية عبر العمولات التي تحصل عليها دون عناء كبير، لمجرد مرور الشيكات بخزائنها.

إضافة إلى خلق سوق موحدة حقيقية بين الدول الأوروبية المتعاملة باليورو، فإن البنك المركزي الأوروبي سوف يصبح المركز الاقتصادي العالمي الجديد الذي يخطف بعضا من البريق الذي تمتع به الدولار حتى الآن، وتحصل البنوك الأوروبية على جزء كبير من العمولات «المجانية» التي كانت تحصل عليها البنوك الأمريكية لمجرد تلقيها وإرسالها لشيكات مصرفية من متعامل إلى آخر. لكن يبقى السؤال المطروح: هل بدء التعامل باليورو كعملة دولية سوف يضيف إلى الثقل الدولي للاتحاد الأوروبي؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى الوراء قليلا، وبحث الخطوات التي اتخذتها الدول الأعضاء في السوق الأوروبية المشتركة، وهو الاسم الذي كان قائما قبل تحوله إلى الاتحاد الأوروبي، وهي قرارات كانت في معظمها اقتصادية واجتماعية، والقليل منها كان سياسيا، لأنه حسب المراقبين، فإن زعماء الدول الأوروبية الذين مروا عبر بوابة بروكسل أثناء تشكيل هذا العملاق الاقتصادي الضخم كانوا في حاجة إلى تعزيز «زعاماتهم» في الإطار المحلي في ظل التنافس الثنائي القطبية الذي كان قائما في العالم حتى عام 1989، ولم يكن هناك ما يشير إلى أن تغييرا كبيرا يمكن أن يحدث، لأن كل المؤشرات كانت تؤكد أن الاتحاد السوفييتي باق أي كانت محاولات الولايات المتحدة وأوروبا في إلحاق الهزيمة به، بل أن أكثر المراقبين تفاؤلا في الغرب كان يتوقع امكانية تحجيم التأثير الهائل لتلك القوة العملاقة، ولكن الانهيار الذي وقع وبالطريقة التي حدث بها والنتائج التي انتهى إليها هذا الانهيار لم تكن متوقعة. قصور سياسي من هنا لم تكن أوروبا مستعدة سياسيا لسد الفراغ الذي أحدثه تفكك العملاق السوفييتي القديم، فكانت الفرصة سانحة للولايات المتحدة لنشر نفوذها السياسي شرقا، بل في أوروبا الغربية ذاتها بفضل وجود حليفتها «بريطانيا» التي لا تزال تنظر إلى أوروبا بشيء من «الغيرة» خاصة أن بعض الخطوات الاقتصادية التي اتخذتها الدول الأعضاء، وبشكل خاص قرار إنشاء العملة الأوروبية الموحدة، لم تكن بريطانيا تبدي قبولا لها.

مع الانهيار السريع للاتحاد السوفييتي وما تلاه من انهيار معظم دول أوروبا الشرقية بالتالي، خاصة في منطقة البلقان، حدثت قلاقل سياسية لم يكن زعماء الاتحاد الأوروبي على استعداد كاف للتعامل معها، مما سمح للولايات المتحدة أن تستخدم سياستها القائمة على «القوة العسكرية» بالتدخل لإنهاء الوضع المتفجر الناتج عن تفكك يوغسلافيا القديمة وبالمال قامت بإغراء بقايا دول أوروبا الشرقية للانضمام إلى حلف الأطلسي الذي تسيطر عليه سياسيا وعسكريا وماليا. خلال كل هذه التحولات التي كانت تصب في مصالح الولايات المتحدة كان زعماء أوروبا غارقون في مشاكل بلادهم الداخلية الناتجة في معظمها عن الفساد الذي كانوا يقودونه بأنفسهم، ولم تكن هناك من طريقة لمعرفة طموحاتهم السياسية على المستوى العالمي حتى حانت الفرصة أمام الجميع لاختبار هذا الطموح خلال الأسابيع القليلة التي تلت أحداث «الثلاثاء الدامي» في نيويورك وواشنن لمعرفة الثقل السياسي الحقيقي الذي يتمتع به الاتحاد الأوروبي في موازين السياسة الدولية.

خلال الساعات الأولى التالية لتلك الأحداث الرهيبة تسابق زعماء أوروبا بلا استثناء إلى إعلان تضامنهم مع الولايات المتحدة الأمريكية بلا حدود، وهذا جعل بعض المراقبين يتوقفون قليلا قبل التعامل مع التصريحات القادمة من أوروبا على محمل الجد باعتبار أن طبيعة الأحداث تفرض مثل الموقف الحماسي البعيد عن العقلانية الهادئة. ثم جاءت تصريحات بعض الزعماء الأوروبيين في الأيام التالية بقليل من الحماس والكثير من العقل نتيجة تعارض المصالح الوطنية لكل دولة مع ما يمكن أن يؤدي إليه اندفاع واشنطن في حرب «صليبية» ضد منطقة حيوية من العالم مثل الشرق الأوسط والعالم الإسلامي الذي يحتوي على الجزء الأكبر من احتياطي الطاقة العالمية، وعندها بدأ المراقبون السياسيون يجدون عناصر جديدة في موقف بعض الزعماء الأوروبيين، وبشكل خاص فرنسا التي طالبت بالتمهل قبل الدخول في مواجهة عسكرية يمكن أن تؤدي إلى نتائج رهيبة. إزاء هذا التراجع عن التأييد المطلق للولايات المتحدة توقع البعض أن الفرصة سانحة لكي تبرز أوروبا كقوة سياسية جديدة يمكنها أن تعوض انعدام التوازن الحالي الناتج عن اختفاء الاتحاد السوفييتي من الساحة السياسية الدولية، وكانت هذه التوقعات موضع تفاؤل كبير لدى الكثير من المحللين السياسيين.

لكن مع مرور الوقت بدأت الهوة تتسع بين المواقف الفردية لكل دولة أوروبية على حدة: فيما كانت فرنسا وألمانيا تحاولان الحد من الاندفاع نحو مواجهة «عسكرية-حضارية» مع الشرق العربي والإسلامي، ألقت بريطانيا بكل ثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري مع الولايات المتحدة، وتبعها خوسيه ماريا ازنار في إسبانيا على الرغم من أن سياسته في هذا الاتجاه وجدت معارضة جماهيرية من شعبه. تحول جديد إزاء الخلاف في الموقف الجماعي لزعماء أوروبا طبقا لطموح كل سياسي على حدة اتخذت السلطات المركزية في الاتحاد الأوروبي قرارات يمكن اعتبارها تراجعا في سياساتها السابقة على أحداث «الثلاثاء الدامي، وبدا واضحا أمام المراقبين أن الزعماء الأوروبيين لا يزالون دون المستوى السياسي المطلوب لاستغلال الفرصة ولعب دور سياسي بارز على الساحة الدولية، تسمح للاتحاد الأوروبي أن يحصل على وضع سياسي دولي يوازي الثقل الاقتصادي المنتظر لوضع العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» موضع التداول.

في هذه البانوراما السياسية العالمية تخلت الولايات المتحدة عن تعامل الندية السياسية الذي أبدته تجاه أوروبا خلال الأيام الأولى التالية على تعرضها للهجوم المدمر في نيويورك وواشنطن وبدأت تتحول شيئا فشيئا من التعامل الجماعي مع الدول الأوروبية إلى التعامل الفردي مع كل دولة على حدة، حتى وصل الأمر في النهاية إلى أنها كانت ترفض علانية مجرد قبول جنود أوروبيين في حربها التي شنتها في أفغانستان بمفردها وبدعم لوجستيكي بريطاني فقط. في ظل هذا التعامل غير «اللطيف» من جانب الولايات المتحدة خلال الاستعداد السابق على الحملة العسكرية الأمريكية على أفغانستان، حاول الاتحاد الأوروبي أن يستغل الفرصة بالعودة إلى المنطقة من خلال التعامل مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الذي اتخذ منحى خطيرا، إلا أن بحث كل زعيم أوروبي عن دور سياسي دولي «شخصي» أجهض الدور الأوروبي في المنطقة، إلى درجة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الإرهابي «ارييل شارون» رفض مجرد استقبال المبعوث الأوروبي، وأبدى احتقارا لأي دور أوروبي في المنطقة. هذه الأوضاع كشفت عن الحجم الحقيقي لدول الاتحاد الأوروبي على الساحة السياسية الدولية، ويرى المراقبون أن العملاق الاقتصادي الذي برز إلى الوجود مع الأيام الأولى من العام 2002 لا يوازيه حجم سياسي، بل أن هذا العملاق الاقتصادي قد لا يصمد طويلا، لأن العملة لا تستمد قوتها من حجم التعامل أو حجم الإنتاج الذي تستند اليه بقدر ما هي في حاجة إلى دعم سياسي قوي يسند وجودها، وهذا هو التخوف الذي يبديه بعض المراقبين، خاصة أنه ليس بين زعماء أوروبا من يتملك النظرة الإستراتيجية التي تمكنه من رؤية ما يمكن أن يحدث في الأفق نتيجة للسياسة العسكرية الأمريكية وما يمكن أن تؤدي إليه من نتائج سلبية قد تؤثر بالضرورة على مصالح أوروبا في العالم. ـ