بغض النظر عن المفاوضات التي استؤنفت بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي وما يمكن أن تتمخض عنه، أو لا تتمخض عنه، من النتائج، فإن الاتفاق حول الإفراج عن أسرى ما قبل اتفاق اوسلو يعد بالفعل استراتيجيا من كافة النواحي. فهؤلاء الأسرى أفنوا زهرة شبابهم في غياهب السجون دفاعا عن حرية وطنهم وشعبهم، والاهتمام من جانب القيادة الفلسطينية بقضيتهم، ووضعها ضمن أولويات هذه القيادة يعتبر نقطة تضاف لسجلها الوطني وعلامة مشرقة ضمن منجزاتها.

ما يمكن قوله هو أن الجانب الفلسطيني بذل أقصى الجهود مع الجانب الاسرائيلي والوسيط الأميركي للتوصل إلى هذا الاتفاق. وتبقى الكرة في الملعب الاسرائيلي لتنفيذ بنوده والإفراج الفعلي عن هذه النخبة المتميزة من أبناء شعبنا. هذا في الوقت الذي علمتنا فيه التجارب السابقة أن الطرف الاسرائيلي يناور في هذه القضية وقد حولها في السابق إلى ورقة مساومة وابتزاز للفلسطينيين من جهة، ووسيلة لإرضاء المتطرفين الاسرائيليين من خلال تلاعبه في تنفيذ ما يوافق عليه من الجهة الأخرى.

ولم يسبق في تاريخ الاتفاقيات المعاصرة التي عقدت بين حركات التحرر الوطني والقوى الاستعمارية أن ظل ملف الأسرى مفتوحا كما ظل بالنسبة للأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون الاسرائيلية منذ اتفاق أوسلو وحتى يومنا هذا. فالمعتاد في هكذا اتفاقيات أن تكون الخطوة الأولى والبند الأول في الاتفاقيات هي إطلاق سراح جميع الأسرى دون قيد أو شرط ودون تصنيفهم أنواعا وفئات وفقا لمعايير الجهة التي تحتجزهم. حدث هذا في اتفاقيات إفيان الجزائرية- الفرنسية، ومعاهدة باريس بين الفييتناميين والأميركيين، وفي كل الاتفاقيات المشابهة.

لكن اسرائيل منذ العام ١٩٩٣ وحتى الآن تتعامل مع هذه القضية الحساسة بالنسبة للفلسطينيين بأسلوب يفتقر للإنسانية :فقد كانت في كثير من الأحيان تتراجع في آخر لحظة عن تنفيذ نسبة ما من بنود الاتفاقات، أو تعيد اعتقال الأسرى المحررين لأوهن الأسباب. وهذا ما وقع بعد ما عرف بصفقة شاليط حيث أعادت اسرائيل احتجاز عدد من الأسرى الذين تم الإفراج عنهم وفقا لهذه الصفقة بذريعة أنهم خرجوا من مدنهم، أو حتى دون أي ذريعة أو سبب على الإطلاق.

وإذا كان للاتفاق الجديد من ضمانة للتنفيذ، عدا عن الالتزام الأميركي، فهناك أيضا إمكانية استمرار أو عدم استمرار المفاوضات. وقد بذل وزير الخارجية الأميركي جون كيري جهودا كبيرة حتى نجح في إقناع الجانب الفلسطيني باستئناف المفاوضات على الرغم من التحفظات الفلسطينية السابقة.

وفي نظر الشعب الفلسطيني فإن مصداقية اسرائيل تجاه قضية الأسرى هي المحك لمصداقيتها نحو المفاوضات، وعملية السلام ككل. ويراقب الجميع تصرفات الحكومة الاسرائيلية في ما يتعلق بالوفاء باتفاق الأسرى بكل بنوده، وصولا لإطلاق سراح الأسرى المائة والأربعة المشمولين بالاتفاق في المواعيد المحددة دون عوائق أو مماطلات.

وما يتطلع إليه الفلسطينيون جميعا هو الإفراج عن كافة الأسرى الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية، وإغلاق هذا الملف وتبييض السجون كخطوة إيجابية نحو مفاوضات ذات مصداقية، وبداية لسلام فيه قدر من العدالة لمصلحة الجانبين، وسائر شعوب المنطقة والعالم على وجه العموم.