الفشل ينتصر!

 لم تحلّ الانقلاباتُ وما تلاها من استيراد أيدلوجيات المشكلَ العربي ما بعد رحيل الاستعمار، ولا تحولت الحروب التي تراوحت بين الهزائم والانتصارات إلى مرحلة مراجعة شاملة للإخفاقات الكثيرة أمام النجاحات المتواضعة العربية، وقد جاءت الثورات لتعيد الشارع للتظاهر وتباشير عصر جديد انبثق من ظلام السنين التي تجاوزت نصف قرن، ولكنها أعادتنا إلى شريط الأزمات التي عشناها طيلة العقود الخمسة..

الآن والصدامات والخلافات في دول الربيع العربي، دخلت الأنفاق المظلمة، هل يمكن أن تتسع مساحة الحوار، إلى فهم طبيعة الأحداث، والوقوف عليها بمبدأ الوطن للجميع، لا الحزب أو فئة أو شريحة تريد فرض أفكارها ومنهجها على القطاع الشعبي كله، حتى لو تناقض مع رغبات نسبة غير بسيطة من الشعب، والذي تتوجه له كل السلطات في تلك الدول؟ ثم لماذا يفشل الحوار الوطني العربي بين الفرقاء، والغرق في الشكليات على الأساسيات، وتجييش الإعلام للتشكيك في نوايا كل طرف، وبما يعد حرباً نفسية يدفع الشعب وحده أثمان هذه الخسائر؟

المشكل في هذا كله، أن القناعات بالآراء، تسبق سماع صوت الآخر المعارض، ويأتي الاجتماع ليس بقانون كيف نفهم بعضنا، ونتفق على حل مشترك، وإنما كيف تكون الفرضيات التي يجب أن يخضع لها الطرف الآخر، سواء أكان الأكثرية، أم الأقلية هي الحل!

وقطعاً هناك طرف ثالث يضغط على أحد الطرفين، إما أن يتجه وفق سياسته، أو يخسره، مادياً داعماً، أو سياسياً مؤيداً، وهذا الارتهان للخارج سواء جاء بشكل دولة إقليمية أو عربية أو قوة عظمى، فالأمر هنا ينزع عن المتحاورين صفة أصحاب القرار المستقل والحر، وهذا أضاف لحالة هذه الدول إشكالاً جعلهم في المواجهة مع المواطن صاحب المطالب التي لن تتحقق في ظروف زادت تعقيداتها..

مصر واليمن وتونس وسورية، هذه البلدان تبحث عن حل جديد ينقذ بلدانها من الغرق فيما بعد الثورات والطريق الوحيد السالك هو مواجهة الواقع بالعقل، أي اجتماع الأطراف على توافق محدد، وليس في ذلك بطولة، أو تضحيات طالما الهدف هو الوطن، لكن الأنانيات الذاتية التي حشدت خلفها المؤيدين والأنصار لا تقف على مسافة واحدة، مع بعضها البعض، ويعود ذلك إلى أن كل حزب يرى نفسه الممثل الحقيقي للشعب وقيادته..

فلا التيار الإسلامي يريد التسليم للفريق الليبرالي، أو الوسطي الإسلامي، ولا الليبراليون يريدون التنازل عن حق لم يحصلوا عليه، فحل البديل المعقد، أي الاضطراب الأمني عندما أصبح الشارع يُحكم بالفوضى من المفلوتين وأصحاب السوابق، ووضع اقتصادي ينحدر، وضحايا بالآلاف كما يجري في سورية، وهذا أكد أن هذه الثورات قامت بعاطفة الشارع وحده، دون قيادات أو مشروع وطني يرقى إلى المضي في التغيير السلمي دون إخلال في بنية المجتمع ووحدته، وإذا ما استمرت الحالة تجرّ معها كل يوم مشكلاً جديداً، فإن تراكم المشكلات قد يجعل الأطراف كلها على خط واحد في الخسارة، ليكون رد الفعل ثورة الشارع الجائع وفاقد الأمن، والكافر بكل من هم على ساحة النزاع سواء من كان في الدولة أو خارجها..

طباعة Email
تعليقات

تعليقات