تقلص دور الخط العلماني والليبرالي فكرياً، وبقي صوتاً حاضراً على مساحات الوطن العربي كله، وبرز التيار الإسلامي قوة كبيرة، لكنه أضعف الجانب الوطني لصالح الإسلام الدولي، وهي جدلية لم يتفق عليها من يحركون الشارع العربي في ربيعهم، غير أن الضغط الاقتصادي صار التحدي الأكبر، وهو الورقة التي باتت تجعل الأولويات لها، وتختلف الرؤى حول هذا الواقع المستجد بين أصحاب الأفكار والطروحات..

فمن يسيطرون على الدولة يعتبرون الأضرار القائمة مخلفات النظم السابقة التي جذرت الفساد ونهبت العائلات وأدارت الدولة بعناصر نفعية ولاؤها قام على المحسوبيات مما أضاع على كل بلد فرص احتواء الأزمات عندما تضاعفت البطالة ووقفت حركة الإنتاج واستقطاب الاستثمارات، وأن زوال هذه التركة بات معقداً وصعباً ولابد من هيكلة جديدة تبنى عليها أسس نظام جديد..

الطرف المعارض علق القضية على حالة الاضطراب السائد التي فجرته أفكار الإسلاميين، وأن الأنظمة السابقة، على فسادها تركت اقتصاداً جيداً حتى أن الاحتياطيات التي تركتها هي التي اعتمدت عليها النظم الجديدة، وأن المشكل أمنياً بالدرجة الأولى، إذ لم تنشأ خطة للحكم تتجاوز الخلافات الداخلية، بل فجرت الصراع بين فئات المجتمع الواحد، سواء في تونس أو مصر، أو ليبيا والأخيرة لديها موارد نفطية كبيرة، إلاّ أن صراعها قبلي وفئوي وتبقى اليمن تعيش نفس المأزق إلاّ أن الخلاف مع بقايا النظام السابق، وهي مسألة قد تطول في ظل الأزمات المتلاحقة..

ما الذي تغير إيجاباً وسلباً في هذه الدول، وكيف تتجه أمنياً ومالياً، وهل من طريق جديد لايقاف النزيف المادي، ومصالحات وطنية بحيث تلتقى وتتفاهم العناصر المتناحرة في خلق بنية تعود معها الحالة الطبيعية إلى سابق عهدها؟..

السائد في هذه الدول أن الركض لامتلاك السلطة واحتكار القرار وسن القوانين والدساتير وفق منطق مصلحة الجماعات الإسلامية، هو ما تؤكده الوقائع، ولذلك دخل الإعلام لا ليكون سبباً في تغيير إيجابي بحيث يتم تقويم المراحل السابقة، وتأكيد مطالب المرحلة الجديدة، وآفاق المستقبل، إلى أصوات غارقة في إدانة بعضها لبعض ولصالح تيار، أو شخص أو نظام، وأصبحت ميداناً لحرب نفسية وإدانات وخلق تهم، حتى أن رجال الفكر المعتدلين، وأصحاب التجارب الهامة، اختفوا في ظل الإعلام المسيس لصالح أطراف ودول لديها الرغبة في تمزيق القاعدة الوطنية، ووسط هذه الفوضى، ارتهنت تلك البلدان لما يشبه الفوضى ومع تصاعد القضايا الاقتصادية والاجتماعية، صار هناك من يرى الربيع العربي ليس إلاّ ثورات لم يقدها فكر، أو أصحاب التجارب، ولذلك علقت في تفجير الكوامن لا اصلاح الأخطاء والاتجاه في بناء الدولة بنظام يتفق عليه كل الشعب..