ظلت غزة معزولة عربياً ودولياً إلاّ عبر الأنفاق، أو محاولة رسو بواخر إعانات وتضامن من بعض المنظمات أو الدول مما أثر نفسياً على سكان القطاع بسبب هذه القطيعة غير المبررة، حتى إن اعتداءات إسرائيل المتكررة ظلت بعيدة عن الاهتمام الرسمي العربي، بل ظل التعاطف شعبياً وجماهيرياً من أبناء الأمة العربية وحدهم، وهذه اللا مبالاة تأتي من خلال تراكم الأحداث والخيبات الطويلة من الوضع العربي برمته والذي نشأ بعد هزيمة ١٩٦٧م عندما انكشفت الحقائق بأن ميزان القوة العسكرية والسياسية أصبح لصالح إسرائيل بسبب الشتات العربي وميراث الخلافات الطويلة..
الصراع العربي الإسرائيلي قائم وأزلي حتى لو ظهرت بعض المصالحات والاتفاقات، لأن القضية مع شعب شرد ونهبت أرضه وهي حادثة تشبه ما جرى بالاستيطان للرجل الأبيض في أمريكا الشمالية وأستراليا بإبادة وعزل الشعبين الأصليين، وإسرائيل تباحثت بذات السيناريو والخطط، لكن الخلاف معها أنها تعيش داخل محيط يكرهها ويعاديها بسبب عنصريتها وكبريائها ورفضها التعايش مع الفلسطينيين، واعتبارهم جنسا دونيا لا يحق له الحياة في جوار مع النخبة لشعب الله المختار، بل لأن هذه الفلسفة تحتاج إلى اشتراطات داعية تفهم بعد المستقبل وردات فعله عندما يحدث متغير سكاني بحيث يزيد الشعب الفلسطيني على الإسرائيلي وهو هاجس يرعب سكانها، ثم متغير آخر في القوى العالمية وتعدد أقطابها، واتجاهاتها السياسية..
تداعيات الأحداث في غزة، لقيت ولأول مرة تضامناً عربياً وتركيا، إلى جانب مؤيدين آخرين لهذا الشعب الذي عاش مناضلاً رغم كل الظروف المعقدة والصعبة، وإذا كانت أمريكا وحلفاؤها يؤيدون ممارسات إسرائيل، فالأمر غير مستغرب طالما هم من بناها وشكل أمنها وحمايتها، لكن أن يتحول التضامن العربي إلى زيارات إلى غزة نفسها، بالرغم من قيمته المعنوية، إلاّ أن هذا السلوك يأتي لإشعار العالم أن القضية ليست غائبة، بل ومتجددة وعربية الروح..
الضربات الإسرائيلية مستمرة وعملية الوصول إلى هدنة طويلة أو قصيرة لا يلغي أن الصراع يفرض ديمومته طالما الواقع السياسي لم يتغير، ولم يصل إلى حق الشعب الفلسطيني بدولته وكيانه، وهو أمر ترفضه إسرائيل، وبالتالي فليس هناك أمن أو سلام يقومان على حل جذري للقضية إلاّ بأن تعيد إسرائيل مبدأ وجودها وديمومته..
القوى الكبرى تخلت عن وجود الدولتين، وبناء سلام دائم، لأن الكلمة النهائية تقوم على رغبة وقناعة إسرائيل منطلقين أن العرب ليس لديهم البديل سواء عسكري أو سياسي إلاّ الاستسلام للإرادة الإسرائيلية غير أن تداعيات الأوضاع التي خلقت الربيع العربي الجديد، قد تعطي دلالة أن الواقع مختلف، أي أن مضاعفات الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وعلى شكل آخر، أظهر كيف أن عودة الروح للشعب العربي الضاغط على حكوماته بدل السلبية المطلقة، إلى إيجابية صارت معلنة، وهذا ما كشفته الأحداث الراهنة مما أجبر السكرتير العام للأمم المتحدة، وحتى وزيرة الخارجية الأمريكية الوصول للمنطقة لتحجيم القضية قبل أن تكون تورطاً سياسياً قد يخلق أزمات متلاحقة..