هل أخطأ محمود عباس تقدير الظرف والمكان بإسقاط حق العودة في مقابلة تلفزيونية مع إحدى المحطات الإسرائيلية؟ أم أنها واقعية باستحالة العودة لأراضي ما قبل ١٩٦٧، وهل له الصلاحية والحق في إسقاط هذا الشرط الذي يعد من أسس الصراع العربي- الفلسطيني؟..

الدبلوماسية فن الممكن، لكن كان بمقدور عباس بدلاً من التصريح لوسيلة إعلامية، تضمين هذا الموقف في المباحثات التي ربما عادت بين الطرفين لتكون مجال مساومة وتنازلات، ومع أن إسرائيل قللت من أهمية تصريحات عباس إلا أنها اعتبرت ذلك اعترافاً وفق الواقع القائم قد توظفه في أي نزاع جديد..

كلام الرئيس الفلسطيني هو إقرار بتقسيم سبق أن صار مثار جدل، وقد اشتهر بهذا الموقف الرئيس بورقيبة، والذي نادى بقبول هذا الحل، لكن هل يمكن أن يحصل الفلسطينيون على أراضي ما قبل ١٩٦٧م وإسرائيل تتمدد على أراضي الضفة وتحاصر غزة وتعلن القدس بكاملها عاصمة لها، وهل هناك من يناصر الفلسطينيين في تحقيق مطالبهم على كل أرضهم أم أنه أصبح شعاراً سياسياً بلا فاعلية؟

وعد بلفور (١٩١٧) حققته بريطانيا بإقامة وطن قومي على أرض فلسطين عندما كانت تحتلها، وقد خطط اليهود لذلك من القرن السابع عشر عندما انعقد مؤتمر بازل برئاسة (هرتزل) بإطلاق فكرة الصهيونية وبناء الدولة اليهودية عام (١٨٩٧م) وإذا كان المخطط بدأ حلماً ثم حقيقة بمساعدة بريطانيا وقوى أخرى، والعودة إلى أرض الميعاد فلماذا لا يكون للفلسطينيين وهم باقون على بعض أرضهم أن يأتي تحريرها ولا بعد مئات السنين كأرض سليبة، وهذا لا يدخل بالأحلام بل بتداعيات الزمن..

فالتوالد يزداد على أرض فلسطين وخارجها وحركة التاريخ يمكنها أن تكون الرهان فكل معارك الكون إديرت بامبراطوريات انقلبت، مع الزمن إلى دولة بحيزها الجغرافي، والوطن العربي كيان كبير أرض فلسطين جزء منه، ويستحيل أن تغيب أو تُغيّب، ويكفي أن انفجار المقاومة وضع إسرائيل في حالة حرجة، ومع افتراض أن السلام الذي ترفضه إسرائيل، والذي تريد تحويل بقايا الأرض الفلسطينية في الضفة لمجرد (كانتونات) تسكنها أقلية محاطة بالأسوار والتقاطعات والعزلة الدائمة، لا يمكن أن تحاكي به هنود أمريكا الشمالية، أو الأقليات الأخرى التي ذهبت نتيجة حروب وصراعات..

وإذا كانت القوى تغيرت منذ الحرب العالمية الأولى، ثم طرأ عليها تحولات جديدة ببروزها دون حروب أو دول تحت احتلال القوى الكبرى، فالعلاقات الدولية ستأخذ مجرى آخر مختلفاً، ومثلما إسرائيل وسعت دائرة علاقاتها بروح قدرتها التأثير على الغرب، فالعرب لديهم الامكانات أخذ نفس الدور مع القوى القادمة، بمعنى أن اعتبار إسرائيل جزءاً من أمن أمريكا وحلف الأطلسي، لا يؤكد دمومة هذه الحماية، فقد كانت دول المجاميع السكانية الكبرى تحت الاحتلال، وهي الآن تعزز نفسها لاعباً أساسياً في العمق الاقتصادي والعسكري، وهناك ما يشبه التكتل الموازي لحلف الأطلسي، وتوازن القوى لصالح الشرق لن يخدم إسرائيل مقابل بيئة عربية تملك الامكانات المختلفة، وبالتالي ستكون القضية الفلسطينية رأس الحرب في معادلات الحل والعقد في الشؤون الدولية ومصالح القوى الجديدة..