هل فكّرنا باقتصاد الحج والعمرة بمكة المكرمة، والزيارات المستمرة للمدينة المنورة، وهما صاحبتا المواسم الدائمة واستثمارها في كافة المناحي، لتشغيل مئات الآلاف في مصانع وحرف ونسيج وأوانٍ وغيرها؟
لنأخذ الهدر الهائل بكل ما يتصل بالملايين من الهدي التي تُذبح في منى، وأي مستثمر يستطيع تحويل جميع مخلفاتها إلى صناعات جلود، وأصواف، وأحشائها وعظامها وحتى أظلافها إلى أكثر من منتج اقتصادي يعمل فيها عشرات الآلاف، وإذا ما أضفنا لها السبح والأنسجة وأواني صغيرة تؤخذ كتذكار لمياه زمزم، ومصالي، وثياباً وأحذية، إلى آخر القائمة الكبيرة، لوجدنا اقتصاداً ناجحاً بكل ما تعنيه الحقيقة، على أن لا يلتفت المستثمر والمنتج لتحويل عمالتهما إلى المتعاقدين، أو تصل إلى حالة الاغراق بالبضائع المستوردة التي لا تتناسب مع أي مواصفات دولية..
هناك منتج وطني هائل وهو التمور، والتي تحظى من الحجيج والمعتمرين والزوار بإقبال كبير، ويمكن وضع تلك السلعة الرئيسية التي لايمكن إنتاجها خارجياً ضمن اهتمامات السوق..
هذه الموارد لا تحتاج لقاعدة تقنية هائلة، بل بالإمكان تصنيعها وتسويقها بقدراتنا الذاتية أسوة بتجارب أقامتها دول عربية وإسلامية، لكن يجب أن لا تذهب التراخيص إلى سعوديين يتسترون على أجانب بحيث تعكس هذه الأهداف اتجاهها ونجد أننا بدلاً من القضاء على البطالة زدناها بتشغيل الأجانب، أسوة بما هو متعارف عليه بسيطرة عدة جنسيات على قطع الغيار لجميع المحركات، ومواد السباكة والبناء، واحتكار مختلف الأسواق، بينما اقتصادنا ينمو ويخلق فرص عمل هائلة لكنها تتجه لغير المواطن، وهي سياسة مقلقة لابد من تنظيمها وفق قوانين صارمة تراعي المصلحة الوطنية فوق اعتبارات ادعاءات التجار أو المستثمر الذي يأتي من الخلف مستفيداً من هذه الغفلة التي طال أمدها، وأصبحت حالة خطيرة..
هناك خطط سابقة جاءت بالطفرة، الأولى إحلال الواردات بدلاً من الصادرات والتي نشأت في ظلها مصانع الجبيل وينبع، لكن على المستويات الأقل، كانت سياسة الإغراق هي الثانية ما فوّت فرصاً هائلة على المنتج الصناعي الوطني، ولا تزال ذيول المشكلة بدون حلول، وهي صورة تعاكس ما كنا نعتقد أن الوزارات المعنية قادرة على القيام بواجباتها وفرض أنظمتها..
ليست مكة المكرمة والمدينة المنورة وحدهما لديهما قابلية إنشاء منظومة إنتاج تختص بالحجاج والمعتمرين والزائرين، وإنما ينسحب الأمر على معظم المدن في المملكة ذات الأنشطة المتعددة، لكن ما يؤسف له، أن الخطط لا توجد إلا على الورق، أي أن النوايا لا تتجه إلى تفعيل ما حاولت الدولة استثماره وتشجيعه ودعمه..
هناك دعاية تضخمت، أو ضُخمت أن المواطن ليست لديه الرغبة في العمل المنتظم، وهي حجة ليست صحيحة لأن من يقف حارساً براتب لا يتجاوز ثلاثة آلاف ريال ووسط حرارة الشمس وزمهرير الشتاء، يبحث عن مثل هذه الفرص، لكن البيئة للعمالة الأجنبية المسيطرة والطاردة، هي التي خلقت هذه الأعذار، لكن إذا كانت هناك أهداف لابد من تنفيذها، فإن أجهزة الدولة هي من تتحمل المسؤولية المطلقة، ولا تستطيع التملص من واجباتها..